تقرير .. عبدالله الزائدي
لا يبدو أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي هو الظاهرة الأكثر إثارة للقلق اليوم؛ فالحرارة السياسية التي يشعلها دونالد ترامب تجاه “جرينلاند” بدأت تتجاوز مرحلة “الصفقة العقارية” لتدخل في طور “الاستحواذ الجيوسياسي القسري”، فبعد نشوة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجه البيت الأبيض بوصلته نحو “الأرض الخضراء”، الجزيرة التي تبلغ مساحتها 2.1 مليون كيلومتر مربع، والتي يراها ترامب مجرد “فراغ استراتيجي” ينتظر العلم الأمريكي.
لم يكن المنشور الذي شاركته كاتي ميلر، المقربة من الدائرة الضيقة لترامب، مجرد صورة لجزيرة مغطاة بالعلم الأمريكي وكلمة “قريباً”؛ بل كان إعلاناً عن انتهاء عصر الدبلوماسية الهادئة مع الحلفاء، بالنسبة للدنمارك، هذا ليس “بيزنس”، بل هو تهديد وجودي دفع رئيس وزراء الجزيرة ينس فريدريك نيلسن للرد بحدة: “لسنا فنزويلا، ولسنا سلعة للبيع”.
التاريخ يعيد نفسه.. بلمسة عدوانية
محاولات واشنطن لضم جرينلاند ضاربة في القدم، من “حماقة سيوارد” في 1867 إلى عرض هاري ترومان بـ 100 مليون دولار ذهباً في 1946، لكن ترامب 2026 لا يتحدث بلغة الشيكات فقط؛ بل بلغة “الضرورة الأمنية”، حيث يرى البنتاغون في قاعدة “بتوفيك” الفضائية خط الدفاع الأول ضد الصواريخ الروسية العابرة، ومفتاح السيطرة على الممرات البحرية التي يفتحها التغير المناخي أمام كاسحات الجليد الروسية والصينية.
وخلف الأقنعة الدفاعية، يختبئ المحرك الحقيقي، المعادن الأرضية النادرة، مع سيطرة الصين على 80% من إنتاج هذه العناصر الحيوية للصناعات العسكرية والتقنية، تمثل جرينلاند “طوق النجاة” الاقتصادي لأمريكا ، و السيطرة على هذه الاحتياطيات الهائلة تعني كسر القيود الصينية وتأمين “سلسلة القتل” التكنولوجية الأمريكية لعقود قادمة.
زلزال في الناتو
الصدع الذي أحدثته هذه المطامع قد يكون القشة التي تقصم ظهر حلف الناتو، تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن كانت واضحة “أي هجوم أو استحواذ قسري يعني نهاية الحلف”، ولأول مرة، تدرج الاستخبارات الدنماركية الولايات المتحدة كـ “خطر أمني محتمل”، في تحول دراماتيكي يعكس انهيار نظام الثقة الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
بينما يصر ترامب على أن الدنمارك “عاجزة” عن حماية الجزيرة من التغلغل الشرقي، يبقى سكان الجزيرة الـ 57 ألفاً عالقين في صراع العمالقة، مدركين أن استقلالهم المنشود قد يكون مجرد بوابة لانتقالهم من “الوصاية الناعمة” لكوبنهاجن إلى “القبضة الخشنة” لواشنطن.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية