منصة الصباح
صورة جوية تُظهر جزيرتي معطن العقلة قبالة الساحل الليبي، حيث تبدو بقايا أثرية محفورة في الصخور، ويُعتقد أن الموقع قد يرتبط بمدينة كاينوبولس المفقودة.
صورة جوية تُظهر جزيرتي معطن العقلة قبالة الساحل الليبي، حيث تبدو بقايا أثرية محفورة في الصخور، ويُعتقد أن الموقع قد يرتبط بمدينة كاينوبولس المفقودة.

معطن العقلة.. موقع أثري قد يخفي أسرار مدينة كاينوبولس المفقودة

طارق السنوسي

يقع معطن العقلة على ساحل الجبل الأخضر، بين موقع الحنية الأثري  الذي غمرت أجزاء منه مياه البحر – ومدينة بطولمايس (طلميثة)، وتحديدًا شمال بلدة غرب قصر ليبيا التابعة لبلدية الساحل. وتمتاز المنطقة بشريط ساحلي منخفض، وسبخات، ومرافئ طبيعية صغيرة، وهي خصائص جعلتها من أبرز المواقع المرشحة لوجود محطة أو مدينة ساحلية أو مرفأ قديم على الطريق الساحلي في العصرين اليوناني والروماني.

 

فرضية كاينوبولس تعود إلى الواجهة

ويعد شط معطن العقلة من أهم المواقع التي اقترحت لتحديد موضع مدينة كاينوبولس، غير أن هذا الربط لم يحسم حتى الآن بأدلة أثرية مباشرة. فقد كشفت صور جوية حديثة، التقطت ضمن أعمال المسح الميداني لمشروع أطلس ليبيا السياحي، عن بقايا منشآت أثرية مغمورة بالمياه قبالة ساحل المنطقة، تتوسط جزرًا وصخورًا بحرية، الأمر الذي أعاد إحياء النقاش حول هوية الموقع.

مقابر صخرية منحوتة في سفح صخري بموقع معطن العقلة، تظهر واجهات معمارية متأثرة بالطراز الهلنستي وسط الغطاء النباتي
معطن العقلة، مقابر صخرية، كاينوبولس، آثار ليبيا، العمارة الهلنستية، الجبل الأخضر، التراث الليبي، المواقع الأثرية، التاريخ القديم.

 

ماذا تقول الدراسات الأثرية

ويرتبط هذا الطرح بما أورده المؤرخ الأمريكي (غيتزل م. كوهين) أحد أبرز المتخصصين في دراسة المستوطنات الهلنستية، والذي جمع في مؤلفاته الموسوعية الأدلة التاريخية والأثرية والنقوش المتعلقة بالمدن التي أُسست أو أعيد تنظيمها بعد فتوحات الإسكندر الأكبر. كما تناول عالم الآثار الفرنسي (أندريه لاروند) الرئيس السابق للبعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، مدينة كاينوبولس بوصفها إحدى المدن القديمة المعروفة من خلال المصادر الكلاسيكية.

واجهة حجرية منحوتة لإحدى المقابر الأثرية في معطن العقلة، تتضمن أعمدة وزخارف معمارية محفوظة جزئياً.
معطن العقلة، مقبرة أثرية، واجهة صخرية، آثار ليبيا، العمارة القديمة، كاينوبولس، الحضارة الإغريقية، التراث الثقافي.

معنى اسم المدينة وحدود الاستدلال

ويشير كوهين إلى أن اسم Kainopolis يعني “المدينة الجديدة”، وهو اسم شائع في العالم اليوناني، ولذلك لا يجوز ربطه بأي موقع أثري اعتمادًا على تشابه الاسم أو التخمين وحده، بل ينبغي أن يستند تحديد الموقع إلى أدلة أثرية مباشرة، مثل النقوش أو الشواهد التاريخية أو نتائج التنقيبات العلمية.

مدخل حجرة جنائزية منحوتة داخل الصخور في موقع معطن العقلة الأثري، يظهر التصميم الداخلي البسيط للمقبرة.
مدخل حجرة جنائزية منحوتة داخل الصخور في موقع معطن العقلة الأثري، يظهر التصميم الداخلي البسيط للمقبرة.

صور جوية تكشف منشآت مغمورة

وتظهر الصور الجوية الملتقطة عقب حادثة (فيضان درنة) عام 2024، وجود منشآت حجرية مغمورة تتكون من جدران مستقيمة بزوايا قائمة، وهو نمط معماري يرجح أنه من صنع الإنسان وليس تكوينًا طبيعيًا، كما يمكن تمييز عدد من الغرف أو الوحدات المعمارية المتجاورة. إلا أن هذه المعطيات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات أن الموقع هو مدينة Kainopolis.

لقطة جوية لموقع معطن العقلة الأثري على الساحل الليبي، تُبرز التكوينات الصخرية والآثار الظاهرة على سطح الجزيرة، وسط مياه البحر
لقطة جوية لموقع معطن العقلة الأثري على الساحل الليبي، تُبرز التكوينات الصخرية والآثار الظاهرة على سطح الجزيرة، وسط مياه البحر

قواعد بيانات تدعم الاحتمال

وتدعم بعض الدراسات هذا الاحتمال، ومنها قاعدة بيانات Geodatabase of Ancient Ports and Harbours التي تضع المدينة ضمن نطاق معطن العقلة، غير أن هذا التصنيف يبقى استدلاليًا، ولا يستند إلى دليل أثري قاطع.

دلائل على نشاط صناعي أو تخزيني

وتكشف الصور الجوية أيضًا عن معالم أخرى لافتة؛ إذ تظهر وسط الصخور البحرية حفرًا دائرية منتظمة في الجزء الجنوبي الشرقي من الموقع، يرجح أنها قواعد لتثبيت جرار التخزين الكبيرة (Pithoi) بيثوس، نظرًا لانتظام أقطارها وتوزيعها، مما يشير إلى أنها عناصر إنشائية أو صناعية وليست تجاويف طبيعية.

 

 

أحواض صخرية مجهولة الوظيفة

كما تظهر في الجهتين الغربية والشمالية الغربية أحواض مستطيلة منحوتة في الصخر، وهو نمط معروف في المواقع الساحلية القديمة، ويرتبط عادةً بجمع المياه أو التخزين أو بعض الأنشطة الصناعية، مثل تمليح الأسماك أو استخراج الأصباغ، إلا أن تحديد وظيفتها بدقة يتطلب دراسة ميدانية وتنقيبًا أثريًا.

لقطة جوية لموقع معطن العقلة الأثري على الساحل الليبي، تُبرز التكوينات الصخرية والآثار الظاهرة على سطح الجزيرة، وسط مياه البحر
لقطة جوية لموقع معطن العقلة الأثري على الساحل الليبي، تُبرز التكوينات الصخرية والآثار الظاهرة على سطح الجزيرة، وسط مياه البحر

 

مرفأ طبيعي محتمل

ويشير تحليل الموقع إلى استغلال نتوء صخري تحيط به المياه من عدة جهات، وهو اختيار يوفر حماية طبيعية وإشرافًا مباشرًا على الساحل. وقد استخدمت مثل هذه المواقع في العصرين اليوناني والروماني كمرافئ صغيرة أو محطات بحرية أو نقاط مراقبة. كما توحي المياه الضحلة في الجهة الجنوبية الشرقية بوجود مرسى طبيعي، بينما تؤدي الصخور الممتدة داخل البحر دور حاجز طبيعي للأمواج، وهو ما يجعل المكان ملائمًا لرسو القوارب الصغيرة. ورغم عدم ظهور منشآت مينائية ضخمة كالتي تعرف في أبولونيا أو لبدة الكبرى، فإن ذلك لا ينفي احتمال وجود مرفأ بسيط يخدم الملاحة الساحلية.

رؤية أندريه لاروند

من جانبه، يؤكد (أندريه لاروند) في دراساته عن برقة الهلنستية والرومانية أن عددًا من المدن والمحطات الساحلية الواردة في المصادر القديمة، لم يحدد موقعها النهائي حتى اليوم. ويرى أن إعادة تحديد هذه المواقع يجب أن تعتمد على منهج علمي يجمع بين تحليل النصوص القديمة، ودراسة تضاريس المنطقة، ومقارنة المسافات الواردة في المصادر التاريخية، ونتائج المسوحات والتنقيبات الأثرية.

ما الذي ينقص لحسم هوية الموقع

ويدل انتشار البقايا الأثرية في منطقة شط معطن العقلة، وعلى المرتفعات والوديان المجاورة، على وجود نشاط بشري خلال العصرين اليوناني والروماني، إلا أنه لم يعثر حتى الآن على نقش يحمل اسم المدينة أو أي دليل مباشر يحسم هوية الموقع.
وبناءً على المعطيات المتوافرة، فإن الربط بين Kainopolis وشط معطن العقلة يبقى فرضية علمية ذات وجاهة، لكنها ما تزال بحاجة إلى أدلة أثرية مباشرة، مثل العثور على نقوش تحمل اسم المدينة، أو منشآت يمكن تأريخها وربطها بالمصادر التاريخية، أو نتائج حفريات تؤكد التوافق بين الشواهد الأثرية والمعطيات الجغرافية والنصوص الكلاسيكية.

وحتى يتحقق ذلك، يظل الموقع من أكثر المواقع الواعدة للدراسة، ويستحق مسوحات أثرية وبرامج تنقيب متخصصة قد تسهم في حل إحدى القضايا الجغرافية الأثرية المهمة في إقليم برقة.

شاهد أيضاً

كابل كهربائي رئيسي تالف ومقطوع تحت الأرض وسط الأتربة نتيجة أعمال حفر وتوسعة الطرق، ويظهر في الزاوية العلوية اليسرى شعار الشركة العامة للكهرباء في ليبيا.

انقطاع الكهرباء في السراج نتيجة تعدٍ على الكوابل أثناء توسعة الطريق

كشفت الشركة العامة للكهرباء وجود تعدٍ على كوابل نقل الطاقة من قبل الشركة المنفذة لمشروع …