منصة الصباح
مركز "الصادق النيهوم" حين تتكئ الذاكرة على جُدران مُتعبة

مركز “الصادق النيهوم” حين تتكئ الذاكرة على جُدران مُتعبة

الصباح/ حنان علي كابو

بجوار بحر الشابي وبمنطقة الصابري، حيث تختلط ذاكرة المكان بندوب السنوات، يقف مركز “الصادق النيهوم الثقافي” صامتًا.. كأنّه شاهدٌ على زمنٍ كان فيه الحرف يُقال، والضوء يُشعل ستارة المسرح، والمدينة تُصغي..

ليس المبنى مجرد جدرانٍ مهجورة، بل حكاية مدينةٍ كانت تبحث عن نفسها في الكتب، وتجد صوتها في العروض، وتُعيد ترتيب فوضاها عبر الثقافة. منذ تأسيسه عام “1972”، ظلّ هذا الفضاء واحدًا من أبرز معالم بنغازي الثقافية، يحتضن قرّاءً، ومسرحيين، وحالمين كانوا يؤمنون أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة..

اليوم، تبدو الصورة مختلفة..

بوابات موصدة، وقاعات غاب عنها الصوت، ومسرحٌ كان يتّسع لنحو “200” مقعد، صار يتّسع للغياب فقط. في الداخل، لا شيء يشبه البدايات: رطوبة تتسلل إلى الجدران، نوافذ غائبة، وأعمال صيانة توقفت كما لو أنها فقدت الإرادة..

بدأت حكاية الترميم بعد الأضرار التي لحقت بالمبنى جرّاء الاشتباكات التي شهدتها الصابري منذ عام “2014”، لكنّها لم تكتمل. توقفت الأعمال منذ نحو عامين، تاركة المشروع معلقًا بين ما كان وما يجب أن يكون..

لجنة المعاينة، التابعة لمكتب الثقافة والتنمية المعرفية، لم تكتفِ بوصف الحالة، بل كشفت عن خللٍ أعمق: أعمال غير مطابقة للمواصفات، شبكة مياه لم تُنجز، كهرباء لم تُصن، ولياسة لم تكتمل.. والأهم، غياب المتابعة..

لكنّ التعثر هنا لا يبدو فنيًا فقط..

في زاوية أخرى من القصة، تظهر إشكالية إدارية تُعقّد المشهد أكثر. فمنذ نهاية عام “2022”، يشغل المبنى جهة غير تابعة لقطاع الثقافة، هي مصلحة الأملاك العامة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: لمن هذا المكان؟ ومن يملك قرار إعادته للحياة؟

وبين هذا وذاك، تبقى الأسئلة معلّقة في هواء المكان..

ماذا يعني أن تفقد مدينةٌ فضاءها الثقافي؟
وكم من ذاكرة يمكن أن تتحمّل الصمت قبل أن تنطفئ؟

في بنغازي، لا يُنظر إلى هذا المركز كمرفقٍ عادي، بل كجزء من تاريخٍ حيّ.. هنا، مرّت وجوه، وقُرئت نصوص، واشتعلت نقاشات، وتكوّنت ملامح مشهدٍ ثقافي لا يزال يبحث عن استمراره..

اليوم، لا يطلب المهتمون بالشأن الثقافي أكثر من عودةٍ مستحقة.. عودة تعيد للمكان روحه، وللمدينة أحد أصواتها التي خفتت..

فبعض المباني، حين تُهمل، لا تسقط وحدها.. بل تُسقط معها جزءًا من ذاكرة المكان..

شاهد أيضاً

ورشة عمل لتحليل الاحتياجات التدريبية في المؤسسات الإعلامية

الصباح/ طارق بريدعة نظّمت الهيئة العامة للصحافة، صباح اليوم الثلاثاء، ورشة عمل متخصصة حول تحليل …