تحقيق / إبراهيم الحداد
على بعد 800 كيلومتر جنوب العاصمة طرابلس، وحيث تبدأ واحات فزان في احتضان الحمادة الحمراء، تتحول مدينة محروقة الشاطئ، من واحة وارفة إلى ساحة صراع بين حب الحياة والجشع العابر للحدود.
فمصانع قص وتصنيع الرخام لا تكتفي بخنق الأحياء بغبارها الأبيض وتدمير الطرق الحيوية، بالبارود والمتفجرات المحرمة، بل إن تحقيقنا يكشف تجاوزات صارخة تمس الأمن القومي والذاكرة التاريخية للوطن.
وحشية بدائية
أول ما يلفت الانتباه في محروقة الشاطئ هو الطريقة الوحشية التي يتم بها استخلاص “ثروة الجبل”، فبدلاً من التقنيات الحديثة، يتم استخدام البارود لتمزيق صدر الجبل، مما يُسبب هزات أرضية وإضرارًا بليغة بالبيئة الجيولوجية المحيطة.
هذه الكتل الرخامية المنهوبة، التي تعود ملكيتها للشعب الليبي، يتم تجهيزها فورًا للتصدير إلى الخارج متجاوزة كافة آليات الرقابة والقانون.
لكن المأساة لا تقف عند حدود البيئة والثروة، بل تمتد لتطال رمزًا وطنيًا مقدسًا: لقد كشفت جولاتنا الميدانية عن تدمير شبه كامل للنصب التذكاري لمعركة محروقة بفعل أنشطة المقالع المجاورة.

هذه المعركة، التي تُعد أيقونة في تاريخ المقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي في بدايات القرن الماضي، كان نصبها يمثل ذاكرة وطنية للأجيال، ليُصبح اليوم ضحية “جرافات ومرتزقة أجانب همهم تدمير هذا النصب وطمس هوية المنطقة”.
بدون رقيب

تحصلنا على فيديوهات تأكدنا من صحتها من سكان المنطقة خلال الزيارة للمدينة، تُظهر إحدى الحملات التي قامت بها مديرية أمن الشاطئ للمحاجر، وهي موجودة على وسائل التواصل، تظهر عمالة وافدة تعمل بطريقة غير شرعية برعاية أطراف محلية، وهم من الجنسيات عربية ومن شرق آسيا، يفتقرون إلى إذن عمل قانوني ويعملون بشكل يتعمد تدمير النصب الذي يوجد على أعلى قمم الجبل، بشكل ملفت.
كما قال بعض السكان إن عنف استخلاص الرخام باستخدام البارود يمثل اعتداءً صارخًا على البيئة والمواطنين .. فالتفجيرات المتكررة تهز أركان الجبل وتُهدد استقرار القرى المجاورة، مُحدثة تشققات في المنازل.
أمراض بالجملة
ويتبع عنف التفجير غبار أبيض كثيف يتصاعد مكونًا طبقة قاتلة من مواد سامة تخترق أجهزة التنفس، حيث يؤكد الطبيب «محمد طبيقة» أن المنطقة تزايدت فيها الإصابات بأمراض الرئة المزمنة، وتشوهات الأجنة، والسرطانات هذه السنوات بشكل ملفت، مما يحول البيوت الهادئة إلى بؤر للمرض.
مطاردة الأمن وخطورة تهريب الوقود
وكأن القتل بالغبار لا يكفي، لأن فيديوهات أخرى أظهرت عشرات الصهاريج المحملة بالديزل تصل تلك المقالع بشكل مريب، وينتقل بعضها عبر الصحراء إلى دول العمق الإفريقي، بينما يُحرق بعضها في عمليات التفتيت للصخور في المصانع والمحاجر، وهذا يدل على أن المحاجر أصبحت بيئة مناسبة تُستخدم كنقطة انطلاق لتهريب الوقود والمواد المدعومة، مستغلة بعدها عن الرقابة.
حملة أمنية
والحق يقال، انطلقت مديرية أمن الشاطئ الأيام الماضية في حملة مرورية صارمة لضبط الشاحنات المتجاوزة للوزن القانوني .. هذا التحرك الأمني ضروري ليس فقط لحماية الطرق من الإهمال الناتج عن الجشع، بل لتضييق الخناق على شبكات التهريب التي تستغل موقع المحاجر كغطاء لأنشطتها غير القانونية.
وفي الختام، إن الأزمة في محروقة الشاطئ تتجاوز الخلافات الاقتصادية والسياسية لتصبح مساسًا بالهوية الوطنية.
إن التجاوز على النصب التذكاري لمعركة محروقة هو إساءة لذاكرة المقاومة الليبية ورمز وطني لا يُقدر بثمن.
ومؤكد أن الازدهار الاقتصادي المُستدام لابد أن يقوم على احترام التراث، وحماية البنية التحتية، والحفاظ على الكرامة الوطنية. لا قيمة لثروة تُستخرج على أنقاض تاريخنا.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية