في منتصف شهر بانيبسون (Pyanopsion) من التقويم الإغريقي، الموافق تقريبًا لأواخر أكتوبر وبدايات نوفمبر، كانت مدينة قورينا (شحات) تشهد واحدًا من أبرز أعيادها الدينية والزراعية، وهو عيد (ثيسموفوريا( (Thesmophoria)، المكرس للإلهتين (ديميتر)، ربة الزراعة والحصاد والخصب، وابنتها (بيرسيفوني).
ولم يكن هذا الاحتفال مجرد طقس تعبدي، بل مناسبة سنوية امتزجت فيها الأسطورة بالدورة الزراعية، وجسدت العلاقة الوثيقة بين الإنسان والأرض، وبين خصوبة الطبيعة وتجدد الحياة.

استمرت احتفالات (ثيسموفوريا) ثلاثة أيام وليلتين، وكانت مخصصة للنساء المتزوجات دون غيرهن، إذ لم يكن يسمح للعذارى أو الرجال بالمشاركة في شعائرها. ويستند العيد إلى أسطورة اختطاف (بيرسيفوني) على يد (هاديس)، إله العالم السفلي في الميثولوجيا الإغريقية، الذي يقابله (بلوتو) في الميثولوجيا الرومانية. وتروي الأسطورة أن اختفاء ابنة ديميتر أدخل الأم في حزن عميق، فتوقفت الأرض عن الإنبات وجفت الحقول، حتى تدخل (زيوس)، كبير الآلهة، وقضى بأن تعود (بيرسيفوني) إلى أمها جزءًا من السنة، بينما تمضي الجزء الآخر مع (هاديس) في العالم السفلي، بعد أن كانت قد تناولت حبات من الرمان، وهو ما جعل عودتها إلى العالم السفلي قدرًا لا يمكن الفكاك منه. ومن هنا ارتبطت عودتها بقدوم الربيع وازدهار الزراعة، بينما ارتبط غيابها بفصل الخريف وذبول الطبيعة.

انعكست هذه الأسطورة بصورة مباشرة على طقوس (ثيسموفوريا)، التي هدفت إلى استرضاء ديميتر واستدعاء بركتها لضمان خصوبة الأرض ووفرة المحاصيل. ولذلك كانت المشاركات يمتنعن عن تناول الرمان خلال فترة الاحتفال، لما يحمله من دلالة رمزية على إقامة (بيرسيفوني) في العالم السفلي، كما كن يلتزمن بالصيام والانضباط الطقسي قبل تقديم القرابين.

ويتألف العيد من ثلاثة أيام رئيسة، لكل منها طقوسه ورموزه الخاصة.
يحمل اليوم الأول اسم أنودوس (Anodos) أي “الصعود” أو “الوصول”، وفيه تتوافد النساء في مواكب مهيبة من مدينة قورينا وأريافها إلى حرم ديميتر وبرسيفوني خارج أسوار المدينة، وهن يحملن القرابين والمشاعل وسط الأناشيد الدينية والترانيم المقدسة. وكانت بداية الاحتفال تعلن بدخول الحرم وإقامة الشعائر الأولى، ثم تقديم القرابين ودفن بقاياها في الحفر المقدسة، إيذانًا ببدء الدورة الرمزية للخصوبة.
أما اليوم الثاني، فيعرف باسم نيستيا (Nesteia)، أي “الصيام”، ويعد أكثر أيام العيد خشوعًا. ففيه تجلس النساء على الأرض في هيئة حداد، صائمات عن الطعام والشراب، إحياءً لحزن (ديميتر) على فقدان ابنتها. وتشير المصادر القديمة إلى أن النساء كن يتبادلن المزاح والكلمات الساخرة في مرحلة من الاحتفال، اقتداءً بالخادمة (إيامبي) (Iambe) أو باوبو (Baubo)، التي استطاعت – وفق إحدى الروايات – أن تخفف من حزن (ديميتر) وتعيد إليها الابتسام، وهو ما أضفى على الطقوس بعدًا إنسانيًا إلى جانب بعدها الديني.
ويختتم العيد بيوم كاليجينيا (Kalligeneia) ، أي “الولادة الجميلة” أو “النسل المبارك”، وهو اليوم الذي تتجلى فيه رمزية الخصوبة بأوضح صورها. ففي هذا اليوم كانت تُستخرج بقايا قرابين الخنازير الصغيرة، التي سبق دفنها في الحفر المقدسة حتى تتحلل، ثم تُخلط بالحبوب أو بالبذور قبل نثرها أو وضعها على المذبح، في اعتقاد بأن هذه البقايا اكتسبت قوة مقدسة تمنح الأرض خصوبتها وتزيد من وفرة المحاصيل. ويرتبط اختيار الخنزير تحديدًا بطقوس (ديميتر) الزراعية، كما تشير بعض الروايات القديمة إلى صلته بالأسطورة التي سقط فيها خنزير في الشق الذي ابتلع (بيرسيفوني) عند اختطافها، فأصبح رمزًا لدورة الموت والانبعاث وتجدد الحياة.
وتبدو هذه الطقوس اليوم غريبة للوهلة الأولى، إلا أنها كانت تعكس رؤية الإغريق للعلاقة بين الطبيعة والإنسان؛ فالموت المؤقت للبذور في باطن الأرض كان يمهد لولادة حياة جديدة، تمامًا كما تغيب (بيرسيفوني) في العالم السفلي ثم تعود في الربيع لتعيد الخصب إلى الأرض.
ويبدو أن الاحتفال الرئيس (بثيسموفوريا) في قورينا كان يقام في الحرم المقدس لـ (ديميتر وبرسيفوني) (بثيسموفورين) في وادي بلغدير، وفق ما كشفت عنه أعمال البعثة الأثرية الأمريكية في شحات. فقد أسفرت الحفريات عن العثور على بقايا ذبائح من صغار الخنازير، وكميات كبيرة من الأواني الفخارية المستخدمة في الولائم الدينية، إلى جانب تماثيل نذرية ومذابح وأدوات مخصصة لتقديم القرابين، وهي مكتشفات تتوافق بصورة لافتة مع ما ترويه المصادر الأدبية عن طقوس (ثيسموفوريا.(
ويعد حرم (ديميتر وبرسيفوني)، الواقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة الأثرية، من أكبر وأفضل الأحرام حفظًا في شرق البحر المتوسط والمخصصة لعبادة الإلهتين. وتبلغ مساحته نحو 9000 متر مربع، وقد شُيد على سفح منحدر طبيعي يزيد فرق الارتفاع فيه على عشرين مترًا، مما أتاح إقامة الحرم على ثلاثة مستويات متدرجة تعرف بالحرم السفلي، والحرم الأوسط، والحرم العلوي.
ويرجع تاريخ إنشاء الحرم إلى العقود الأولى من تأسيس مدينة قورينا في القرن السابع قبل الميلاد، ثم شهد توسعات معمارية متعاقبة خلال العصرين الهلنستي والروماني، بلغت ذروتها في الفترة الممتدة من عهد الإمبراطور (تراجان) إلى عهد (أنطونينوس بيوس) خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين. وظل الحرم يؤدي وظيفته الدينية حتى تعرض لأضرار جسيمة نتيجة زلزال سنة 262م، قبل أن يؤدي زلزال 365م إلى تدمير أجزاء واسعة منه، شأنه شأن كثير من منشآت إقليم قورينائية.
وخلال سبعة مواسم من التنقيب، عُثر على آلاف اللقى الأثرية التي تعكس النشاط الديني المتواصل في الحرم، من بينها ما يقرب من 4500 تمثال طيني صغير، وأكثر من 750 قطعة منحوتة أو منقوشة من الرخام والحجر الجيري، إضافة إلى أوانٍ فخارية يونانية، ولقى هلنستية ورومانية، وبرونزيات نذرية، وأحجار كريمة، وتمائم على هيئة الخنفساء المقدسة ذات التأثير المصري، فضلًا عن الحلي والزجاج والقناديل والنقوش والعملات الذهبية والفضية والبرونزية.
وتبرز هذه المكتشفات الطبيعة المتعددة الثقافات التي تميز بها مجتمع قورينا، حيث تفاعلت التقاليد الإغريقية مع العناصر الليبية المحلية، وتأثرت لاحقًا بالحضارة المصرية البطلمية ثم الرومانية. كما تكشف مراحل توسعة الحرم وإعادة بنائه عن ارتباط ازدهاره بازدهار المدينة نفسها، في حين يعكس موقعه خارج الأسوار، على تخوم السهل الزراعي الخصيب، رمزية العلاقة بين المدينة وأراضيها الزراعية، باعتباره فضاءً يجمع بين المقدس والإنتاج الزراعي.
ولم يكن (ثيسموفوريا) مجرد احتفال ديني، بل كان مناسبة سنوية تؤكد الدور المحوري للمرأة في المجتمع الزراعي الإغريقي، باعتبارها حامية للأسرة والنسل وخصوبة الأرض. كما شكل العيد مناسبة يلتقي فيها سكان المدينة والريف، بمن فيهم القبائل الليبية التي مارست الزراعة والرعي، في طقس جمع بين العقيدة والاقتصاد والحياة اليومية.
واليوم، يمثل حرم (ديميتر وبرسيفوني) في شحات أحد أهم الشواهد الأثرية على الطقوس الزراعية في العالم الإغريقي، إذ لا توثق بقاياه تاريخ عبادة إلهتين فحسب، بل تكشف أيضًا عن المكانة التي احتلتها قورينا بوصفها واحدة من أهم مراكز إنتاج الحبوب في البحر المتوسط، حيث تحولت أسطورة اختفاء (بيرسيفوني) إلى احتفال سنوي يجسد الأمل في تجدد الطبيعة واستمرار دورة الحياة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية