كتب / إبراهيم الحداد
في تجويف إسمنتي بارد أسفل أحد كباري العاصمة طرابلس، تفترش أوليفيا، 30 عاماً، بقايا كرتون مهترئ، متدثرة ببقايا معطف رجالي مصمم لرجال الشرطة في ليبيا، ومحاطة بأكياس بلاستيكية تضم شتات حياتها المبعثر.
لم تعد أوليفيا تعرف اليوم من هي، أو لماذا غادرت قريتها في نيجيريا قبل سنوات، فقد غاب عقلها في غياهب الصدمة، تاركاً جسدها النحيل يجوب الشوارع كروح هائمة تبحث عن أمان فُقد خلف الحدود.

بدأت رحلة أوليفيا بوعود براقة من منظمة «بلاك آكس»، وهي من أخطر عصابات المافيا النيجيرية التي حولت بعض المزارع النائية والبيوت المهجورة في ضواحي المدن إلى معسكرات احتجاز سرية.
هذه الأماكن لم تكن مجرد سجون، بل كانت مسارح لطقوس سحرية مرعبة، حيث تنتشر على جدرانها وأبوابها كتابات غريبة ورموز طقسية ورسومات بالفحم والدماء تُعرف بتعاويذ «القوقو» أو «الفودو» لإيهام الضحايا بأن أرواحاً شريرة ستطاردهم إذا فكروا في الهرب أو التمرد.
كانت أوليفيا تُجبر على أداء أقسام الولاء أمام هذه الجدران الملطخة بالطلاء والرموز الوثنية، مما كسر إرادتها تماماً قبل أن يتم استغلالها جسدياً لتسديد ديون وهمية، وتحت وطأة هذا الرعب النفسي انهار عقلها، فاختارت الجنون ملاذاً للهرب من تلك النقوش والأرواح التي تراءت لها في كل زاوية، وعندما انتهت حاجتهم لها تركوها هائمة من غير معين.
وسط هذا البؤس تبرز بارقة أمل خجولة، «سارة»، 25 سنة، صيدلانية تعمل في الحي، تداوم كل صباح على تقديم زجاجة مياه ووجبة طعام لأوليفيا.
تقول سارة بأسى: أرى فيها امرأة مكسورة قبل أن تكون مهاجرة، كوني امرأة لا يمكنني تجاهل ضياعها، هي ضحية عصابات لم ترحم ضعفها.
لكن إنسانية سارة تصطدم بامتعاض أصحاب المحال المجاورة، الذين يخشون أن يتحول محيطهم إلى مستوطنة دائمة للمهاجرين، معتبرين أن وجود أوليفيا يهدد أمن السوق ونظافته، ومطالبين بترحيلها الفوري إلى بلدها، معتبرين بقاءها نوعاً من الاستيطان غير المقبول.

من الناحية القانونية، تظل ليبيا متمسكة بالقانون رقم 19 لسنة 2010، الذي يجرم الهجرة غير الشرعية ويفرض عقوبات بالحبس والترحيل في مراكز مثل عين زارة وطريق السكة، إلا أن محمد الحامدي، المحامي في طرابلس، يرى القضية من زاوية مغايرة، مؤكداً أن حالة أوليفيا تتطلب تفعيل قانون مكافحة الاتجار بالبشر، ويضيف المحامي:
أوليفيا قانونياً هي ضحية وليست متهمة، الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها ليبيا توجب حماية ضحايا الاتجار بالبشر وتوفير الرعاية الصحية والنفسية لهم، خاصة أنها فقدت أهليتها العقلية بسبب الجرائم التي مورست بحقها، وليس من العدل إلقاؤها في سجن أو ترحيلها دون علاج.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية