تأتيك قصيدته مصحوبة بنسيم شواطئ بنغازي وعبق كتاتيب صرمان التي حفظ فيها القرآن غضّاً صغيراً، لتصاغ بذكاء شاعر لم يكن مجرد ناقل للكلمات، بل صانعاً لأفق شعري فارق إنه الشاعر الكبير علي الفزاني، أحد أبرز الأعلام الذين حفروا اسم ليبيا بحروف من نور في مدونة الشعر العربي الحديث، ومؤسس فرع رابطة الأدباء والكتاب ببنغازي، والذي غادر دنيانا في السابع والعشرين من سبتمبر عام 2000 بمدينة برن السويسرية، ليعود وثاقاً إلى تراب بنغازي التي أحبها وشهدت بواكير تجلياته.
لم تكن مسيرة الفزاني مساراً عادياً لشاعر يكتفي بالوزن والقافية؛ فقد جمع بين صرامة النشأة الدينية وحفظ النص القرآني في جامع “سيدي زكري” ببلدته الأولى، وبين الحساسية الإنسانية المرهفة التي صقلتها تجربة دراسته وعمله في التمريض العام 1953.
ومن صحيفة “برقة” إلى أمهات الدوريات العربية، تنسك الفزاني في محراب القصيدة بشكليها العمودي والحديث، مستنداً إلى معارف متينة أتقن خلالها علم العروض على يد شيوخ وأساتذة الكلمة.
ترك الراحل إرثاً إبداعياً غزيراً بدأه بـ “رحلة الضياع” عام 1967، وتوالت بعده دواوينه الشامخة مثل “أسفار المدينة المضيئة”، “الموت فوق المئذنة”، “مواسم الفقدان”، “الطوفان آت”، و”أرقص حافياً”، وصولاً إلى “طائر الأبعاد الميتة” و”فضاءات اليمامة العذراء”. وهي نصوص اختزلت رؤيته للعالم وللوطن وللذات الإنسانية في تحولاتها.
وكما وصفت كلماته الناقدة والشاعرة سعدية مفرح: «هو شاعر من ليبيا المتحفزة للشعر استلهاماً للموروث وتطلعاً للآتي، شاعر طائر بجناحين محلقين عالياً في أفق مفتوح على العالم كله وليس على الثقافة العربية وحدها».
يبقى علي الفزاني قنديل الشعر الذي لا ينطفئ، وعلامة فارقة في تاريخ الثقافة الليبية والعربية، يقرأه الجيل الجديد كلما بحث عن البلاغة في أصفى صورها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية