بوفاة الفنان القدير عبد الهادي بلخياط عن عمر ناهز 85 عاماً في المستشفى العسكري بالرباط، لا يفقد المغرب مجرد مطرب كلاسيكي، بل يفقد أحد آخر المهندسين المعماريين للهوية الموسيقية الحديثة في شمال أفريقيا.
بلخياط لم يكن صوتاً عابراً؛ كان “ظاهرة جيوفنية” فنية نجحت في مد جسور الطرب بين المحيط والخليج، محطماً عزلة الأغنية المغربية في وقت كانت فيه القاهرة تحتكر صياغة الذائقة العربية.
في الستينيات، وبينما كان العالم العربي يعيد تشكيل ذاته سياسياً، كان بلخياط في القاهرة يصقل أدواته، ليعود إلى الرباط ويؤسس مع رفاق دربه مثل عبد الوهاب الدكالي ما يعرف بـ “الزمن الذهبي” للأغنية المغربية .
تميز بلخياط بقدرته الفائقة على غناء القصيدة الفصحى ، كما فعل مع نزار قباني في رائعته “القمر الأحمر” ودمجها بسلاسة مع الزجل المغربي، مما خلق لغة فنية “وسطى” جمعت بين نخبوية المثقف وبساطة الوجدان الشعبي.
إن إرث بلخياط، الذي بدأ رسمياً بـ “نشيد العرش” عام 1962، يتجاوز قائمة الأغاني الخالدة مثل “رموش” و”الميعاد”، تكمن عبقريته في صوته الرخامي الذي صمد أمام رياح التغيير الموسيقي لعقود، محولاً الأغنية الوطنية إلى رسالة إنسانية، والقصيدة الوجدانية إلى وثيقة تاريخية.
رحيل بلخياط هو تذكير بأن العصر الذي كانت فيه الموسيقى تبنى على أسس الشعر الرصين واللحن المتقن موسيقيا يتوارى، تاركاً خلفه فراغاً يصعب ملؤه في الذاكرة الجمعية العربية.
شهدت فترة الثمانينيات تعاوناً استثنائياً لبلخياط في ليبيا، حيث قدم أعمالاً مثلت ذروة النضج، تجلى فيها صوت الرخامة والتمكن خلف ألحان الموسيقار الكبير علي ماهر، ومن أبرز هذه الروائع قصيدة “ارحميني”، التي نظم كلماتها الشاعر نوري الحميدي؛ حيث امتزجت فيها الرومانسية المفرطة بعمق المعنى، وصاغ لها علي ماهر توزيعاً أوركسترالياً ضخماً ناسب قدرات بلخياط الصوتية الهائلة، مستخدماً المقامات العربية الأصيلة في أبهى صورها.
ولم يتوقف عطاء بلخياط في ليبيا عند الوجدانيات التقليدية، بل امتد ليشدو بكلمات المفكر والدكتور علي فهمي خشيم في أغنية “غنيلي الليلة من عمق القلب”، هذا العمل الذي أظهر روح “الشاعر” المؤرخ الدكتور علي فهمي خشيم، لم يكن مجرد أغنية عاطفية، بل دعوة للتطهير الروحي عبر الغناء، وقد لحنها علي ماهر بروح تلك الحقبة التي بدأت تدمج بين الآلات الغربية والروح الشرقية، مما جعلها علامة فارقة في مسيرة بلخياط بليبيا.
إن رحيل صاحب “القمر الأحمر” هو نهاية صوت لعصر كان فيه الفن رسالة فكرية وجمالية عابرة للحدود، فبين قصائد الحميدي وفلسفة خشيم وألحان علي ماهر، ترك عبد الهادي بلخياط في ليبيا إرثاً فنياً عصياً على النسيان، وسيظل صوته يتردد في أزقة طرابلس وبنغازي كشاهد على زمن كان فيه الغناء ينحت “من عمق القلب”
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية