منصة الصباح
عبد السلام الهوش العجيلي: راهب القصيدة الليبي وصانع العوالم الشعرية

عبد السلام الهوش العجيلي: راهب القصيدة الليبي وصانع العوالم الشعرية

في فضاء الشعر الليبي، هناك أسماء تترك أثرًا صامتًا، عميقًا، يرسخ في الذاكرة قبل السمع. عبد السلام الهوش العجيلي، الذي وُلد في درنة كان واحدًا من هؤلاء. لقب بـ”راهب القصيدة” لأنه لم يسعَ وراء أضواء الشهرة، ولم يساير تقاليد النشر الإعلامي، بل اختار الصمت والإصرار على أن يكون لكل كلمة صداها الخاص، ولكل قصيدة عالمها المستقل. في نصوصه، يلتقي المكان بالروح، ويصبح البحر والصحراء والمدن الصغيرة مرايا للإنسان والوجود، بينما يتحرك الأسلوب بين بساطة الكلمة وعمق المعنى. إن قراءة تجربته تعني الدخول إلى فضاء شعري مستقل، يفيض صراحة وأصالة، ويكشف عن شاعر جعل من اللغة موطئًا للبحث عن الذات وعن الحقيقة في داخلنا.

النشأة والتعليم

نشأ الشاعر في بيئة متأثرة بالتراث المحلي وروح المكان، حيث كانت الحياة اليومية والبحر وصحراء الجبل الأخضر والموروث الشعبي جزءًا من مخياله الشعري منذ صغره. أظهر منذ بداياته ميلًا للكلمة والكتابة، ليصبح الشعر طريقه للتعبير عن الذات وعن الروح الإنسانية، متجاوزًا حدود التقليد والمألوف.

أكمل دراسته الجامعية في جامعة سبها، وحصل على ليسانس في اللغة العربية عام 1984، مؤهلاً إياه للعمل كمعلم ومربٍ. وظل التعليم جزءًا من تجربته، حيث جمع بين نقل المعرفة للطلاب وعيش تجربة اللغة والحرف، مؤكّدًا على أن الكلمة فعل حياة، وأن التربية لا تقل أهمية عن الشعر في تشكيل الإنسان.

التجربة الشعرية

تميزت تجربته بمحاولة خلق عالم شعري مستقل، بعيد عن التقليد والانتماء لأي مدرسة محددة، يركز على قصيدة النثر كأساس للتعبير. كان همّه الأساسي البحث عن المعنى والصدق، بعيدًا عن التكلف والزخرفة، مع التمسك بالبساطة التي تكشف عمق الروح الإنسانية.

ارتبط شعره بالهوية الليبية وبقضايا المكان والإنسان، مع تأمل فلسفي هادئ في الوجود. في نصوصه، يمكن أن يشعر القارئ بالحرية المطلقة للكلمة، وبإحساس الشاعر العميق بمسؤولية اللغة، حيث كل كلمة لها وزنها وروحها الخاصة.

أبرز الأعمال والدواوين

قدّم العجيلي أعماله في أطر شعريّة متنوعة، بين المنشور وغير المنشور، ومن أبرزها:

“شجرة الكلام” (2002): ديوان يمثل بداية انطلاقته في فضاء قصيدة النثر، محاولة لبناء لغة مستقلة وصوت شعري خاص.
“مهب القبلي”: استكشاف للهوية والمكان، امتداد لتجربته الأولى في خلق عالم شعري مستقل.

“منشورات سرية” و”مخالب الماء”: أعمال تجريبية، تواصل فيها البحث عن الأصالة والصدق الشعري، مع ميل إلى التجديد والابتكار.

اتسم أسلوبه بالتركيز على المعنى العميق والصورة الشعرية الصادقة، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية المفرطة، ما أكسبه لقب “راهب القصيدة”، إذ عاش مع الكلمة بمعزل عن الضجيج الإعلامي والاهتمام بالشهرة.

وقد تميز أيضًا بصموده في مواجهة التجاهل الإعلامي والنقدي، إذ ظل صامتًا لكنه حاضرًا بعمق في المشهد الثقافي الليبي، صانعًا مساحة شعرية خاصة، متفردة، وملهمة للأجيال القادمة.

الوفاة والإرث

انتقل إلى جوار ربه في 14 أغسطس 2025، عن عمر يناهز 65 عامًا، مخلفًا إرثًا شعريًا غنيًا ومتميزًا، وعالمًا شعريًا مستقلًا يصعب تكراره.

شاهد أيضاً

فتحي كحلول: ايقونة من الإبداع في ذاكرة رمضان

فتحي كحلول: ايقونة من الإبداع في ذاكرة رمضان

على مدى أكثر من خمسين عاماً، لم تكن الشاشة الليبية في رمضان مجرد وسيلة ترفيه، …