باختصار
عاصمة البلاد التي يسكنها قرابة مليوني نسمة، لم تكن تحتاج إلا إلى ساعتين ونصف الساعة من الأمطار الغزيرة حتى تتحول شوارعها إلى بحيرات وبرك يصعب اجتيازها، وطرقاتها إلى مصائد للسيارات التي عجزت عن مواصلة السير، وحركة المرور فيها إلى رحلة من المعاناة يصعب وصفها.
فأعلنت عطلة استثنائية بالجامعة، وغرقت عشرات السيارات، وانتهى المشهد بوفاة مواطن صعقا بالكهرباء داخل أحد المصارف…. كل هذا حدث مع أول مطرة غزيرة، وكأن المدينة لم تعرف الشتاء من قبل، أو كأن المطر قرر أن يختبر استعداداتنا، فاكتشف أنها أضعف مما كنا نظن.
الغريب أن الشتاء ليس ضيفاً مفاجئاً على طرابلس، والأمطار ليست حدثاً طارئاً يستدعي كل هذه المفاجآت، فكلنا يعرف منذ الصغر الوصف الشائع لمناخ شمال أفريقيا: (حار جاف صيفاً… دافئ ممطر شتاء) … أي إن المطر في الشتاء ليس مفاجأة، بل جزء معروف من طبيعة المناخ في العاصمة. ومع ذلك، يبدو أن بعض مؤسساتنا تتعامل مع كل موسم أمطار وكأنه الأول من نوعه، فهل تحتاج العاصمة إلى عاصفة حتى تتذكر الجهات المختصة ضرورة تنظيف غرف التفتيش، وصيانة شبكات تصريف مياه الأمطار، والتأكد من جاهزية الطرقات لاستيعاب المياه وتجهيز ممراتها؟ أم أننا سنظل ننتظر غرق الشوارع حتى نكتشف في كل مرة أن الشتاء قد جاء بالفعل؟.
أما البنية التحتية للطرق، فقد كشفت الأمطار، خلال ساعتين ونصف الساعة، عن حجم التحديات التي تواجهها ومدى جاهزيتها لموسم الشتاء. فقد غمرت المياه جل الشوارع، وتعطلت حركة السير فيها، ووجد المواطنون صعوبة في التنقل والوصول إلى وجهاتهم، في ظل قصور واضح في تصريف مياه الأمطار… وهو ما يطرح تساؤلات جدية بشأن كفاءة شبكات التصريف، ومدى ملاءمتها للتوسع العمراني والكثافة السكانية، فضلاً عن مستوى التنظيف والصيانة الدورية التي يفترض أن تضمن جاهزيتها قبل حلول موسم الأمطار.
وبعد هذه المأساة، هل يمكننا سؤال شركة الخدمات العامة والجهات المختصة بعض الأسئلة: هل أنجزت أعمال تنظيف غرف التفتيش وشبكات التصريف ورفع المخلفات قبل دخول الشتاء؟ وهل جرى تحديد نقاط تجمع المياه ومعالجتها؟ أم أن الاستعداد يبدأ بعد الشعور بالغرق، حين تتحرك الآليات وتعلن حالة الطوارئ، وتتحول المعالجة إلى سباق مع المياه التي كان يفترض منع تراكمها من الأساس؟.
كما يستحق مركز الأرصاد الجوية سؤالاً واضحاً: هل صدرت تحذيرات من الحالة المطرية؟ وإن صدرت، فهل وصلت إلى المواطنين والجهات التنفيذية في الوقت المناسب؟ وتم إعلام المواطنين بها في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف ومبكر وعاجل؟.
لا أحد ينكر جهود فرق الطوارئ والجيش والشرطة والإسعاف وإنفاذ القانون…. فجهودهم جميعاً تستحق التقدير، لكن الاستجابة للأزمة لا تعفي المسؤولين عن الاستعداد لها من المساءلة.
فطرابلس لا ينقصها من ينقذها عندما تغرق، بل من يمنعها من الغرق، فالمطلوب صيانة دورية، وخطة معلنة لتطوير التصريف، ومحاسبة للمقصرين، وتأمين شبكات الكهرباء، وإنذار مبكر يحمي الأرواح والممتلكات، وتطوير أجهزة مركز الأرصاد الجوية وكوادره.
فالأمطار لم تفاجئ مدينة طرابلس، لكن استعداداتنا لها هي التي بدت مفاجأة للجميع، وإذا كانت هذه حالنا مع أول مطرة، فهل نحتاج إلى انتظار الثانية حتى نتعلم الدرس، أم أن بعض المؤسسات لا تتذكر أن الشتاء موجود إلا عندما تغرق العاصمة؟.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية