منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

صحة المرأة..(في اليوم العالمي للمرأة)

ليست المرأة مجرد نصف المجتمع كما يقال في العبارات الشائعة بل هي في الحقيقة النقطة التي تبدأ منها الحياة وتستمر عبرها الحضارة


. فمن رحمها يولد الإنسان، ومن رعايتها الأولى يتشكل وعيه، ومن حضورها في الأسرة والمجتمع تتوازن الحياة وتستقيم دورة الوجود الإنساني. ولهذا فإن الحديث عن صحة المرأة ليس مجرد قضية طبية أو برنامج صحي بل هو في جوهره حديث عن صحة المجتمع كله. فالمرأة ليست جسدًا يحتاج إلى علاج عند المرض فقط بل هي إنسان كامل تتقاطع في حياتها الأبعاد البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. وكل مرحلة من مراحل عمرها تحمل احتياجات صحية خاصة، تبدأ منذ الطفولة والمراهقة وتمتد عبر سنوات النضج والعمل والأمومة، وصولًا إلى مراحل العمر المتقدمة. إن الاهتمام بصحة المرأة يعني حماية هذه الرحلة الإنسانية الطويلة بكل ما تحمله من مسؤوليات وتحديات وآمال. فصحة المرأة تبدأ من الوقاية قبل المرض، ومن بناء بيئة حياتية صحية تحميها من المخاطر التي قد تهدد جسدها أو نفسيتها أو كرامتها. وتبدأ من التغذية السليمة، والنشاط البدني والرعاية الصحية المنتظمة والتثقيف الصحي الذي يمنحها القدرة على فهم جسدها واحتياجاته. كما تمتد إلى توفير خدمات صحية متطورة ترافقها في جميع مراحل حياتها: خدمات استباقية تتنبأ بالمخاطر قبل حدوثها، وخدمات وقائية تمنع الأمراض وخدمات علاجية متقدمة حين تستدعي الحاجة، وخدمات تأهيلية تعيد للإنسان قدرته على العيش بكرامة. إن الطب الحديث لم يعد ينتظر المرض حتى يعالجه بل يسعى إلى حماية الصحة قبل أن تتعرض للخطر. وفي هذا التحول العلمي العميق تصبح المرأة في قلب الاهتمام الصحي، لأن صحة الأجيال القادمة تبدأ من صحة الأمهات. لكن صحة المرأة لا تُصان بالطب وحده. إنها تحتاج أيضًا إلى بيئة اجتماعية عادلة تحمي حقوقها وتمنحها فرص التعليم والعمل والحياة الكريمة. فالمرأة التي تحيا في ظروف اقتصادية صعبة أو في بيئة اجتماعية تقيد حريتها أو تهدد سلامتها الجسدية والنفسية لن تستطيع أن تحافظ على صحتها مهما تقدمت الخدمات الطبية. ولهذا فإن صحة المرأة هي قضية تتقاطع فيها العدالة الاجتماعية والاقتصاد والتعليم والثقافة بقدر ما تتقاطع فيها المعرفة الطبية. كما أن الصحة النفسية للمرأة لا تقل أهمية عن صحتها الجسدية. فالضغوط الاجتماعية والأدوار المتعددة التي تتحملها في الأسرة والعمل والمجتمع قد تترك آثارًا نفسية عميقة إذا لم تجد الدعم والتقدير والاحتواء. إن المرأة القوية نفسيًا هي التي تستطيع أن تمنح القوة لمن حولها، وأن تبني بيئة إنسانية أكثر توازنًا ورحمة. ولهذا فإن حماية صحة المرأة تعني أيضًا حماية كرامتها الإنسانية. تعني أن تكون الخدمات الصحية متاحة لها دون تمييز أو عوائق، وأن تُعامل في المؤسسات الصحية باحترام كامل لإنسانيتها وخصوصيتها، وأن يكون صوتها مسموعًا في القرارات التي تتعلق بصحتها وحياتها. إن الحضارات تُقاس في النهاية بمدى احترامها للإنسان، ولا يوجد مقياس أصدق لهذا الاحترام من مكانة المرأة وصحتها وكرامتها. فالمجتمع الذي يعتني بصحة المرأة إنما يعتني بمستقبله. والمجتمع الذي يحمي المرأة من المرض والحرمان إنما يحمي أجياله القادمة. وفي هذا اليوم الذي يحتفي فيه العالم بالمرأة، لا يكفي أن نقدم كلمات الإعجاب أو عبارات التقدير بل يجب أن نجدد التزامنا الإنساني بأن تكون صحة المرأة أولوية حقيقية في السياسات الصحية والاجتماعية. وأن نعمل من أجل نظم صحية عادلة ترافق المرأة في كل مراحل حياتها. وأن نوفر لها رعاية صحية حديثة تقوم على الوقاية والتنبؤ والعلاج المتقدم. وأن نضمن لها بيئة حياتية تحمي صحتها النفسية والجسدية والاجتماعية. فالمرأة ليست فقط من تمنح الحياة بدايتها بل هي أيضًا من تمنحها معناها الإنساني الأعمق. وكلما ازدهرت صحة المرأة وكرامتها ازدهرت الحياة نفسها.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

ستيفاني .ت .وليامز «لـيـبـيـا بـعـد الـقـذافـي الفوضى والبحث عن السلام»

المدن الساحلية الغربية والزنتان

ترجمة: عبدالسلام الغرياني.. خارج طرابلس، تركزت غالبية السكان الليبيين في الحواضر الساحلية؛ وبينما كانت بعض …