ترجمة عبدالسلام الغرياني..
المقدمة
تخيّل بقعة جغرافية تحظى بموقع جيوستراتيجي استثنائي عند نقطة التقاء إفريقيا بالشرق الأدنى، وتنبسط على السواحل الجنوبية للمتوسط. أضف إلى هذا المشهد تعداداً سكانياً محدوداً نسبياً، يسوده تجانس عرقي وديني لافت، وإقليماً يزخر بموارد طبيعية هائلة. تلك هي ليبيا: موطن عريق وقفت عنده أطماع إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ، من الفينيقيين والإغريق والرومان وصولاً إلى العثمانيين، ثم الاستعمار الإيطالي في القرن العشرين؛ بلد استهل مسيرته المعاصرة تحت رعاية الأمم المتحدة عام 1951، وذلك بعد فترة وجيزة من ميلاد المنظمة الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
إن ما يمنح ليبيا إمكاناتها الهائلة هو ذاته ما يجعلها مطمعاً للهيمنة والاستغلال من قِبل القوى الدولية والإقليمية على حد سواء. ورغم اعتزاز غالبية الليبيين بهويتهم الوطنية وطموحهم المشروع في حماية أرضهم من الأطماع الخارجية، إلا أن هذا المسعى الدفاعي اتخذ أحياناً مسارات غير تقليدية؛ تجسدت في تجربة معمر القذافي التي امتدت لاثنين وأربعين عاماً، وهي تجربة اتسمت بالانفرادية والتناقض والقسوة الواضحة، قبل أن تنهيها انتفاضة عام 2011 الشعبية. غير أن بريق التفاؤل الذي تلا سقوط النظام سرعان ما انطفأ، إذ أخفق من خلفوا القذافي في تحقيق التوافق اللازم لحماية سيادة بلادهم ضد التدخلات الأجنبية، ووقعوا بدلاً من ذلك في فخ النزاعات الضيقة حول شرعية المؤسسات الليبية الناشئة.
في يوليو 2018، كلفني الأمين العام أنطونيو غوتيريش بمهام نائب الممثل الخاص للأمين العام للشؤون السياسية في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حيث عملت تحت إشراف الممثل الخاص ورئيس البعثة آنذاك غسان سلامة. ولم تكن المنطقة غريبة عليّ، فقد قضيت أكثر من عقدين في السلك الدبلوماسي الأمريكي، تركز معظمها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باستثناء مهمتي الخارجية الأولى التي كانت في باكستان.
عشت حياةً مطبوعة بالترحال منذ صغري ضمن أسرة دبلوماسية أمريكية، قضيت معظمها في جنوب آسيا وتخرجت من مدرسة داخلية في الهند عام 1983، قبل العودة إلى الولايات المتحدة لإتمام دراستي الجامعية والعليا. وقد صقلت خدمتي في وزارة الخارجية الأمريكية خبراتي للعمل في الملف الليبي؛ إذ تخصصت في الشؤون العربية وأشرفت على مكتب السياسات الخاص بليبيا بين عامي 2008 و2009، وهي الفترة التي شهدت قرار واشنطن إعادة سفيرها إلى طرابلس بعد قطيعة دامت ستة وثلاثين عاماً، وذلك في أعقاب تسوية قضايا تفجير طائرة بان آم 103 ورفع العقوبات. وخلال تلك المرحلة، زرت طرابلس مرتين في عامي 2008 و2009. كما خدمت في بغداد بين عامي 2016 و2017 بالتزامن مع التحضيرات العسكرية لطرد تنظيم داعش من الموصل. وفي أواخر عام 2017، وبينما كنت ممثلةً للولايات المتحدة لدى المعارضة السورية، كُلفت برئاسة السفارة الأمريكية لدى ليبيا من مقرها في تونس، باشرت مهامي في يناير 2018. هناك التقت مساراتي لأول مرة بغسان سلامة، الذي نال إعجابي لجسارة مهمته في ظل انقسام دولي حاد. وبسبب ضيقي بالسياسات الخارجية لإدارة دونالد ترامب، التي اتسمت بالفوضى والانتهازية والنزعات العنصرية أحياناً (كقرار حظر دخول المسلمين)، كنت قد اتخذت قراري بالتقاعد المبكر من الخارجية، مما جعل انضمامي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نائباً لرئيسها في يوليو 2018 خطوة طبيعية وسهلة.
شغلتُ منصب نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لأكثر من عام ونصف، ثم توليتُ مهام القائم بأعمال الممثل الخاص عقب مغادرة سلامة في أوائل مارس 2020، وهو المنصب الذي استمررتُ فيه حتى مطلع فبراير 2021. وبناءً على طلب الأمين العام غوتيريش، عدتُ للعمل مستشارةً خاصة له من أوائل ديسمبر 2021 وحتى نهاية يوليو 2022.
لا يسعى هذا الكتاب تقديم سردية مكررة لأحداث عام 2011، أو التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وما رافقه من قرارات لمجلس الأمن. فقد تولى إيان مارتن، أول رئيس لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تحليل تلك الحقبة ببراعة في كتابه الأخير “كل التدابير اللازمة؟”. كما وثّق عدد من المسؤولين الأمريكيين كواليس صناعة القرار تجاه الملف الليبي إبان انتفاضات الربيع العربي، ومن أبرزها العرض المستفيض الذي قدمه فيل غوردون، مستشار أوباما، في كتابه “خسارة اللعبة الطويلة: الوعد الزائف لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط”.
إلا أنني أستكمل المسار في السنوات التي تلت الإطاحة بالقذافي، مقدّمةً تحليلاً زمنياً وموضوعياً للمأزق الليبي، مع الاستناد إلى شواهد ملموسة من واقع تجربتي. سأتطرق إلى المحركات الجوهرية للصراع، وأعرض رؤيتي لخلفيات مواقف الفاعلين الليبيين والأطراف الدولية على حد سواء. كما سأبين لماذا تبدو الدعوة إلى الانتخابات أسهل بكثير من تنظيمها الفعلي، وكيف يتم توظيف خطاب العملية الانتخابية بذرائعية من قِبل أطراف عديدة لا تجد لها مصلحة في قيام حكومة تمثيلية حقيقية في ليبيا.
سأستقصي كيف تمثل الثروة النفطية للبلاد نعمةً ونقمةً في آن واحد، مؤكدةً أن أي عملية سلام تتجاهل مسألة الإدارة الرشيدة لهذه الموارد محكوم عليها بالإخفاق. كما سأصف كيف تقوض وفرة الأسلحة المتبقية من صراع 2011، وتلك التي تدفقت لاحقاً من قوى أجنبية، إضافة إلى عشرات الآلاف من المرتزقة الوافدين، آفاق التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع. وسأبين كيف صمم سلامة عملية وساطة شاملة تنبع من الداخل نحو الخارج منذ عام 2017 لجمع الفرقاء الليبيين، وكيف اكتشفنا ــ لهول صدمتنا ــ أن ما يُسمى “المجتمع الدولي” قد تواطأ لدعم خيار الحل العسكري.
وعلى الرغم من أننا، كما وصف سلامة لاحقاً، قد “تُركنا نواجه طعنة في الظهر” من قِبل عدد من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فقد بذلنا جهوداً لإعادة بناء حد أدنى من التوافق الدولي في أعقاب الهجوم الذي شنه الجنرال حفتر على طرابلس في أبريل 2019؛ وذلك عبر مسار مؤتمر برلين الذي تُوج باعتماد قرارات مجلس الأمن 2510 و2570 و2571، وهيكلة المسارات الليبية الثلاثة المتوازية: العسكرية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب فرق العمل الدولية المساندة لها.
سأستعرض كيف قدتُ وساطة الأمم المتحدة في ذروة جائحة كوفيد-19، وكيف وظفنا تقنيات مستحدثة عبر المزج بين اللقاءات الافتراضية والواقعية للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020، فضلاً عن دفع المسار الاقتصادي وتحقيق توافق سياسي تحت مظلة ملتقى الحوار السياسي الليبي. كما سأبين الأثر السلبي لوسائل الإعلام الجديدة على مساعي بناء السلام، وكيف ساهم خطاب الكراهية وحملات التضليل في تعميق هوة الانقسام داخل ليبيا.
سأتطرق إلى مأساة حقوق الإنسان في ليبيا، وكيف يظل استمرار الإفلات من العقاب وغياب المساءلة لمن استغلوا مناصبهم الرسمية وارتكبوا انتهاكات من محركات الصراع ما لم يُعالج هذان الأمران. وأرى أنه من دون إطار دستوري سليم ـ يمثل عقداً اجتماعياً أساسياً ـ فإن إجراء الانتخابات قد يفضي إلى مزيد من الانقسامات. كما سأشرح كفاحنا لبناء بعثة أممية تفي بالغرض المنشود للتعامل مع مجموعة القضايا الليبية ذات الطبيعة الفريدة، لا سيما في مواجهة مجتمع دولي منقسم يكتفي بتقديم الدعم الشفهي لعملية الأمم المتحدة السياسية بينما ينتهك باستمرار التزاماته المعلنة وقرارات مجلس الأمن.
أخيراً، سأقدم بعض الأفكار المتواضعة حول سبل المضي قدماً، لا سيما فيما يخص مستقبل الوساطة الدولية والدروس المستقاة من النموذج الليبي. فهل ولّت حقبة اتفاقيات السلام الكبرى، على غرار اتفاقيات دايتون، التي كان يبرمها كبار رجال الدولة العالميين؟ وهل بات لزاماً على البعثات السياسية للأمم المتحدة توسيع نطاق انخراطها وتعاونها مع المنظمات غير الحكومية أو هيئات الدبلوماسية الخاصة؟ وفي ظل الانقسامات الحادة في مجلس الأمن والجمود النسبي الذي يعتري قدرة هذه الهيئة على صون السلم والأمن الدوليين، هل كُتب علينا من الآن فصاعداً مواجهة عمليات سلام متعثرة ومكررة لا تفضي إلا إلى ‘سلام مشوه’ أو ‘استقرار هش’؟ وهل نكابد جميعاً نقصاً في الخيال حين يتصل الأمر برسم مسار مستقبلي لدولٍ تسعى للتعافي عقب عقودٍ طبعتها النزاعات وسوء الإدارة؟
عندما انضممتُ إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بصفتي نائبةً للممثل الخاص للأمين العام، اتفقتُ مع سلامة على الضرورة القصوى لتنفيذ ثلاثة مبادئ جوهرية. وتلخّص المبدأ الأول المشترك في أن السبيل الأمثل لتقويض التدخل الأجنبي واحتوائه يكمن في تثبيت الأمم المتحدة بقوة في موقع القيادة، مع رفض ـ أو تحجيم ـ أي محاولة من قبل أي قوة، مهما كان حجمها، للإطاحة بالأمم المتحدة من هذا الدور. كنا ندرك أن هذا المبدأ سيواجه تحديات دائمة، لكننا آمنا بأن الانقسامات بين القوى الإقليمية والعالمية جعلت الحاجة إلى إبقاء الأمم المتحدة في الصدارة أكثر إلحاحاً. وكان المبدأ الثاني يتلخّص في جعل بعثة الأمم المتحدة تحمي وتعزز المصلحة الوطنية الليبية ضد الأطماع والمصالح والسياسات التي تنتهجها هذه الأطراف الخارجية. أما المبدأ الثالث فتلخّص في ترجيح كفة المواطن الليبي العادي ومنحه صوتاً يعلو فوق مصالح الطبقة الحاكمة ‘المفترسة’ التي تصدرت المشهد بعد عام 2011؛ تلك الفئات العسكرية والسياسية والاقتصادية ـ وهي بالمناسبة فئات تتداخل أدوارها كثيراً ـ التي تتواطأ بلا أدنى خجل وبلا نهاية لعرقلة الانتخابات أو وأد أي محاولة لتغيير الوضع الراهن.
تعد ليبيا بلداً مذهل الجمال، وقد حالفني الحظ بالسفر في أرجائها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؛ من طبرق في الشرق إلى سرت وتاورغاء في الوسط، وصولاً إلى زوارة غرباً وعاصمة الجنوب سبها، فضلاً عن واحة غدامس في أقصى الغرب ومحطات عديدة بينها. شهدت فترة عملي عودة بعثة الأمم المتحدة الكاملة إلى البلاد، وعايشتُ فترات من الهدوء كانت تقطعها دوماً موجات مروعة من العنف والاقتتال. ولقد رأيتُ عن كثب ذلك الإهمال المأساوي للخدمات الأساسية، والغياب التام للمساءلة، والتوظيف الانتهازي لـ ‘القانون’، والفساد المستشري، وكان أشد ما آلمني هو مقتل ثلاثة من زملائنا في الأمم المتحدة ببنغازي في 10 أغسطس 2019. ساهمتُ في تنظيم مؤتمر وطني جامع أُحبط بسبب هجوم الجنرال حفتر على طرابلس في أبريل 2019 (قبل عشرة أيام فقط من الموعد المقرر)، كما توسطتُ في اتفاق وقف إطلاق النار الذي وضع حداً لتلك الحرب، وقُدتُ الحوار السياسي الذي جمع الليبيين في أعقابها، وإن كانت أهدافه السامية وخارطة طريقه لم تكتمل فصولها بعد.
خلال فترة عملي في ليبيا ومن أجلها، حظيتُ بلقاء العديد من الليبيين النبلاء الذين غمروني بكرمهم ووقتهم، وتعلمتُ منهم الكثير، وما زلتُ أعتز بتواصلي مع جلّهم حتى اليوم. لقد جالستُ مطولاً طلاباً وأساتذة، ونشطاء، وضحايا فظائع مروعة ارتكبت عبر السنين، ونازحين، وعمداء بلديات ومجالس بلدية، ومشايخ قبائل، ومصرفيين ورجال أعمال، وسياسيين، ومقاتلين ممن حملوا السلاح.
أهدي هذا الكتاب للشعب الليبي، لعلهم يجدون في روايتي إضافةً لتاريخ بلادهم الحديث، كما أضعه بين أيدي الخبراء الإقليميين والمهتمين بآليات الوساطة الدولية وعمليات السلام. ولا ريب أن هناك من سيعترض على بعض ما ورد، أو يرى فيه ما لا يعكس وجهة نظره، كما قد تغيب عن دفتيه حلقة أو واقعة عرضية هنا أو هناك. لا يُعد هذا العمل سجلاً حرفياً جامعاً للأحداث، فهو محاولة متواضعة لسرد قصتي الليبية، تاركةً للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته الخاصة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية