منصة الصباح
د. علي عاشور

صَبْرٌ جَمِيلٌ.. وَأَجْرٌ جَزِيلٌ

د.علي عاشور

تمضي حياة الإنسان في تقلبٍ مستمر، بين لحظات الرخاء والشدة، وبين ما يظنه ثباتًا وما يكتشف لاحقًا أنه عابرٌ زائل. حتى إذا باغته الفقد، أدرك على حين غفلة أن هذه الحياة لم يخلقها الله للدوام، وأن كل ما فيها – مهما طال بقاؤه – محكومٌ بسُنّة الرحيل.

فالموت حقيقة لا تقبل التأويل، وليس مجرد حدث عابر في سياق الحياة، بل هو تحوّل عميق يمسّ أعماق النفس، ويعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبمن حوله. يترك وراءه فراغًا لا يُرى بالعين، لكنه يثقل القلب، ويوقظ الضمير، ويعيد ترتيب المشاعر بطريقة لم يألفها الإنسان من قبل.

وحين يفقد المرء عزيزًا، فإنه لا يودّع شخصًا فحسب، بل يودّع جزءًا من نفسه وذاكرته، وركنًا من طمأنينته، وصوتًا كان يمنحه معنى الاستقرار. فيجد نفسه أمام غيابٍ لا يُعوَّض، وأثرٍ لا يُمحى، وحنينٍ لا يهدأ إلا ليشتد.

وفي لحظات المواجهة الأولى مع هذا الحدث الجلل، يقف الإنسان عاجزًا أمام هول الفقد، فلا تسعفه الكلمات، ولا تخفف عنه العبارات، إذ يتجلى الألم في صورته الصافية، وتكون الدموع أصدق تعبير، ويكون الصمت أبلغ من أي قول.

غير أن الإيمان، بما يحمله من يقينٍ راسخ، يأتي ليعيد تشكيل هذا الألم دون أن يُلغيه، بل يمنحه معنى يخفف من حدّته، ويخرجه من دائرة العبث إلى مقام الرضا بقضاء الله وقدره.

قال تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ”، وهي حقيقة تذكّر الإنسان بأن البقاء لله وحده، وأن ما سواه إلى زوال.

وقال سبحانه: “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: “إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”، فجعل الصبر موضع البشرى، وربط المصيبة بالقرب من الله.

فالصبر على الفقد لا يعني جمود الإحساس، ولا إنكار الحزن، بل هو توازن دقيق بين انكسار القلب وثبات الإيمان. تدمع العين، ويحزن القلب، دون أن يتجاوز اللسان حدود الرضا.

وقد جاء في الحديث الشريف:

“إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا”، وهو بيان يجمع بين إنسانية الشعور وكمال الإيمان.

ولا شك أن فقد أحد الوالدين من أشدّ الابتلاءات، لأنه غياب لا يُعوَّض، ولا يمكن أن يملأ أحد مكانه. فيبقى الأثر، وتبقى الذكرى، ويظل الحنين حاضرًا.

ومع ذلك، فإن في الصبر والرضا سكينة خفية، لا يدركها إلا من ذاق مرارة الفقد. فالألم – وإن بقي – يهدأ، حين يتكئ القلب على يقينٍ بأن ما أخذه الله إنما أخذه بحكمة، وأن ما عنده خيرٌ وأبقى.

فالراحلون لم يغيبوا غيابًا مطلقًا، بل انتقلوا من حضورٍ يُرى إلى أثرٍ يُحس، ومن جوارٍ دنيوي إلى مقامٍ عند الله، تُرفع لهم الدعوات، ويُرجى بهم اللقاء.

إن الرضا بقضاء الله ليس استسلامًا، بل مقام إيماني رفيع، يمنح القلب قوةً وتماسكًا، ويجعل الإنسان – رغم انكساره – أكثر قربًا من الله، وأشد وعيًا بحقيقة هذه الحياة الزائلة.

 

.

 

 

شاهد أيضاً

الدبيبة يشهد احتفالية اليوم الوطني للمرأة الليبية ويؤكد دعم تمكينها في مؤسسات الدولة

الدبيبة يشهد احتفالية اليوم الوطني للمرأة الليبية ويؤكد دعم تمكينها في مؤسسات الدولة

شهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، اليوم الأحد، فعاليات إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية …