منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

السلوكيات الاجتماعية المؤذية بين الصحة النفسية والسلم المجتمعي

د.علي المبروك أبوقرين

لم تعد الصحة مفهومًا محصورًا في سلامة الجسد فقط بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل النفس والسلوك والعلاقات الاجتماعية وجودة البيئة التي يعيش فيها الإنسان،

وهو ما تؤكده أدبيات الصحة الحديثة ومنها ما يصدر عن منظمة الصحة العالمية التي تربط بين الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة، ومن هذا المنظور فإن انتشار بعض السلوكيات الاجتماعية المؤذية مثل الحسد والأحقاد

والكراهية والتنمر وتشويه السمعة والإشاعات والغطرسة والعدوان اللفظي والعنف لم يعد مجرد خلل أخلاقي عابر بل مؤشرًا على اضطراب نفسي واجتماعي قد يهدد السلم المجتمعي والصحة العامة معًا لأن هذه السلوكيات حين تتكاثر لا تؤذي الأفراد المستهدفين فقط بل تُضعف الثقة الاجتماعية وتخلق مناخًا من القلق والتوتر وتُشعر الإنسان بأنه يعيش في بيئة غير آمنة نفسيًا وهو ما ينعكس بدوره على الاستقرار الأسري والإنتاجية والعمل والعلاقات الإنسانية عمومًا فالحسد والكراهية والأحقاد مثلًا غالبًا ما يرتبطون بشعور عميق بالنقص أو الظلم أو فقدان تكافؤ الفرص فيتحول هذا الشعور إلى رغبة في التقليل من الآخرين أو النيل منهم نفسيًا أو اجتماعيًا بينما التنمر يمثل سلوكا عدوانيًا متكررًا يهدف إلى السيطرة أو الإهانة ويترك آثارًا نفسية قد تمتد طويلًا فتظهر في شكل قلق مزمن أو اكتئاب أو انسحاب اجتماعي أو فقدان الثقة بالنفس أما الإشاعات وتشويه السمعة فهي لا تمس الضحية فقط بل تهز منظومة الثقة العامة داخل المجتمع وتجعل العلاقات الإنسانية قائمة على الشك والحذر بدل الاحترام والاطمئنان كما أن الغطرسة والاستعلاء الاجتماعي غالبًا ما يخفيان هشاشة داخلية أو خوفًا غير معلن فيُترجمان إلى سلوكيات تُضعف روح التعاون والتكافل وتغذي الانقسام المجتمعي وهذه الظواهر لا تنشأ عادة في فراغ بل ترتبط ببيئات يضعف فيها الإحساس بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية ويزداد فيها التفاوت الطبقي وتقل فرص تكافؤ الفرص وينتشر الفساد أو الشعور به فتتولد حالة إحباط جماعي تدفع بعض الأفراد إلى التعبير عنها بسلوكيات عدوانية أو سلبية كما أن الضغوط الاقتصادية والنفسية المزمنة والإعلام السلبي وثقافة المقارنة والاستعراض الاجتماعي عوامل تغذي هذا المناخ وتزيد من حدة التوتر المجتمعي وقد أثبتت دراسات نفسية عديدة أن البيئة الاجتماعية العدائية تؤثر حتى على الصحة الجسدية عبر زيادة مستويات التوتر المزمن وما يرتبط به من اضطرابات صحية ونفسية ولذلك فإن التعامل مع هذه الظواهر لا يمكن أن يكون وعظيًا فقط بل يحتاج رؤية تربوية وصحية واجتماعية متكاملة تبدأ بتعزيز التربية القيمية منذ الطفولة وترسيخ ثقافة الاحترام والتسامح وقبول الاختلاف وتعليم مهارات التواصل العاطفي الصحي كما تتطلب سياسات اجتماعية تقلل الفوارق الحادة وتدعم العدالة وتكافؤ الفرص لأن الشعور بالإنصاف يخفف كثيرًا من النزعات العدوانية ويعزز الاستقرار النفسي المجتمعي إضافة إلى دور الإعلام المسؤول في نشر ثقافة الاحترام والوعي وتجنب الإثارة السلبية والتضليل وكذلك نشر الثقافة النفسية وتشجيع طلب الدعم النفسي دون وصمة لأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة كما أن التشريعات التي تحمي الناس من التنمر والتشهير والإيذاء المعنوي تسهم في خلق بيئة أكثر أمانًا وعدالة ويبقى الهدف الأعمق هو بناء مجتمع يرى في صحة علاقاته الإنسانية جزءًا من صحته العامة لأن المجتمع السليم ليس الذي يخلو من التنافس أو الاختلاف بل الذي يديرهما بروح العدالة والاحترام والإنسانية وحين تُشفى البيئة الاجتماعية من الكراهية والعدوان والشك تتعافى النفوس تباعًا ويستعيد الإنسان شعوره بالأمان والانتماء ويصبح الاستقرار النفسي والاجتماعي أساسًا لأي نهضة حقيقية لأن أخطر الأمراض أحيانًا لا تصيب الجسد مباشرة بل تصيب العلاقات والقيم الاجتماعية وإذا صلحت هذه تعافى الإنسان والمجتمع معًا.

 

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

طريق النحل

زايد…ناقص اكتشفتُ أن قولنا “صُدفة” خطأ، والصحيح “مصادفة.” وأنا مُصادفةً عثرتُ مؤخراً على طريقٍ لم …