منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*صوموا تصحوا*

د.علي المبروك أبوقرين

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب لساعات محددة بل هو إعادة ترتيب عميقة لعلاقة الإنسان بجسده ونفسه وروحه ومجتمعه.

الصيام في جوهره مدرسة توازن يعلم الإنسان أن الحاجة لا تعني الإفراط، وأن الصحة لا تتحقق بالوفرة العشوائية بل بالاعتدال الواعي.

لذلك لم يكن غريبًا أن تتلاقى الحكمة الدينية مع الخبرة الطبية قديمًا وحديثًا في التأكيد على أن الصيام إذا أُحسن تدبيره، يحمل فوائد جسدية ونفسية واجتماعية كبيرة.

وقد أشار كبار أطباء الحضارة الإسلامية مثل ابن سينا وابن النفيس والرازي إلى أهمية الاعتدال الغذائي، ونوعية الطعام وتنظيم الوجبات، وأثر ذلك في الوقاية من الأمراض وتحسين الصحة العامة.

ولم تكن نصائحهم بعيدة عمّا تؤكده الأبحاث الطبية الحديثة حول تجنب الإفراط، وتقليل الأغذية المصنعة والافضل تجنبها نهائيا والابتعاد عن الدهون المتحولة الضارة والمشروبات الغازية والعالية السكر.

والصيام فرصة لاستعادة التوازن الصحي ويمنح رمضان المبارك الجسد فرصة فسيولوجية للراحة وإعادة التنظيم إذ تتحسن عمليات التمثيل الغذائي ويُعاد ضبط الشهية، وتتراجع بعض العادات الغذائية الضارة.

لكن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائيًا فهي مرتبطة بطريقة الإفطار والسحور ونوعية الغذاء ونمط الحياة خلال الشهر الكريم.

ومن الحكمة أن يبدأ الإفطار تدريجيًا بالماء والتمر أو ما يشبههما ثم الشربة الدافئة والتدرج في الطعام دون اندفاع، مع التركيز على الخضار الطازجة، والبروتينات المعتدلة والصحية والحبوب الكاملة، وفواكه الموسم، وشرب الماء بانتظام بين الإفطار والسحور بدل تعويضه دفعة واحدة.

أما السحور ففضله صحي وروحي معًا، وتأخيره يعزز القدرة على الصيام ويحافظ على استقرار الطاقة، على أن يكون متوازنًا غنيًا بالألياف والبروتين وقليل السكريات السريعة.

ومن المفارقات أن شهر الصيام يتحول أحيانًا إلى موسم إفراط غذائي وأطعمة فائقة التصنيع ومقليات وسكريات مركزة وحلويات ، ومشروبات غازية وعصائر محلاة، إضافة إلى الإعلانات المكثفة التي تروج لعادات غذائية غير صحية.

فهذه الممارسات تفرغ الصيام من كثير من حكمته الصحية بل قد تجعل السلوكيات الخاطئة في هذا الشهر المبارك سببًا لزيادة الوزن واضطرابات الهضم وارتفاع السكر والدهون. رمضان ليس شهر التخمة بل شهر التوازن.

وليس موسم استهلاك بل موسم مراجعة. ومن المهم أن يتواصل مرضى الأمراض المزمنة مع أطبائهم قبل الصيام لتعديل الجرعات ومواعيد الأدوية، فالصيام عبادة قائمة على اليسر .

وكذلك يحتاج كبار القدر (السن) إلى متابعة صحية وغذائية قريبة، وإلى دعم نفسي واجتماعي يعزز شعورهم بالأمان والانتماء، خاصة عندما يشاركهم الأبناء والأحفاد الإفطار والسحور.، رمضان أيضًا موسم تضامن اجتماعي وصلة أرحام وبر الوالدين، وتفقد المرضى، ودعم المحتاجين، ونشر الوعي الصحي، وتعزيز ثقافة التكافل.

فالصحة ليست شأنًا فرديًا فقط إنها منظومة اجتماعية تبدأ بالغذاء السليم وتنتهي بالدعم النفسي والشعور بالمحبة والانتماء. كما أن تشديد الرقابة الصحية على الأسواق، وضمان سلامة الأغذية، والتوعية بخطر الأطعمة المغشوشة أو الفاسدة، مسؤولية مجتمعية ومؤسسية لحماية الصحة العامة خلال الشهر المبارك، والصيام ليس جسديًا فقط إنه تهذيب نفسي وروحي.

إن النوم الكافي والحركة المعتدلة والرياضة الخفيفة، وتجنب التوتر، والابتعاد عن مصادر التلوث والضجيج الإعلامي كلها عوامل تعزز الفائدة الصحية للصيام. فالجسد لا ينفصل عن النفس، والصحة الحقيقية حالة توازن شامل.

وقد يكون أهم ما يمنحه الصيام للإنسان هو فرصة إعادة النظر في عاداته ماذا نأكل؟ وكيف نعيش؟ ما الذي يضرنا فيه؟ رمضان يمكن أن يكون نقطة بداية لنمط حياة صحي مستدام، وليس مجرد محطة مؤقتة.

فالاعتدال الذي نتعلمه في الصيام يمكن أن يستمر بعده، والتوازن الذي نمارسه خلاله يمكن أن يصبح أسلوب حياة، والعافية التي نسعى إليها فيه يمكن أن تتحول إلى مشروع دائم.

صوموا تصحوا ليست مجرد عبارة وعظية بل خلاصة تجربة إنسانية طويلة تؤكد أن الصيام الواعي عبادة وصحة وعافية، وأن رمضان فرصة نادرة ليصالح الإنسان جسده ونفسه وروحه، ويعيد ترتيب علاقته بالغذاء والصحة والمجتمع.

فإذا أحسنّا فهم هذه الحكمة، تحول الصيام من امتناع مؤقت إلى ثقافة حياة، ومن عبادة موسمية إلى وعي دائم، ومن عادة اجتماعية إلى حضارة إنسانية تصون الجسد والروح معًا.

*رمضان مبارك عبادة وصحة وحضارة إنسانية*

مبارك عليكم الشهر الكريم وكل عام وانتم بخير وصحة وعافية

 

شاهد أيضاً

النيابة التركية: استمرار التحقيق في حادث تحطم طائرة الحداد فوق أنقرة الصباح

الصباح أعلنت النيابة العامة في أنقرة أنه لم يُقدم بعد تقرير التحقيق في الحادث إلى …