إيناس احميدة
في كل المجتمعات، حماية الأطفال واجب مقدس لا نقاش فيه، لكن الواقع أحيانًا يتجاوز القانون ليصبح أداة كسر للروابط الأسرية.
ما يحدث مع بعض الأمهات الليبيات في الخارج -وأتحدث هنا تحديدا عن حالة في إيطاليا- يثير القلق.. أطفال انتزعوا من حضن أمهاتهم لأسباب قد تبدو مبررة على الورق، لكن في الواقع نتجت عنها آثارًا نفسية وسلوكية طويلة المدى.
نعم ..القوانين الإيطالية تتحدث عن “المصلحة العليا للطفل”، وتهدف لحمايته من العنف أو الإهمال.
لكن حين يطبق هذا المبدأ بمعزل عن السياق الثقافي والديني، يتحول من حماية إلى إقصاء ثقافي وعاطفي.
ولان أنماط التربية تختلف من مجتمع لآخر، فالاعتقاد بأن ما هو “صحيح” لدى البعض يجب أن يكون معيارًا عالميًا، هو خطأ جسيم، مهما كانت النوايا سليمة.
والأخطر أن بعض الأطفال الذين ينتزعون عن أمهاتهم يسندون إلى دور رعاية أو مؤسسات بديلة، أظهرت تقارير متكررة سوء الأوضاع فيها من إهمال وسوء معاملة وحتى اعتداء جسدي ونفسي في بعض الحالات.
وفي الكثير من الأحيان، تصبح نتائج وضع الطفل في دار للرعاية أخطر، وأكثر سوء وعنف على الطفل من بقائه مع والدته.
هذه التجارب تزيد من هشاشة الطفل وتضعه في حلقة من الصدمات المتراكمة، ما يجعل إعادة إدماجه في المجتمع أكثر صعوبة، ويضاعف مخاطر الانحراف والسلوك العدواني لاحقًا.
النتيجة واضحة… أطفال يفقدون هويتهم اللغوية والثقافية والدينية، وحتى شعورهم بالأمان، وأمهات يشعرن بالعجز أمام جهاز مليئ بالثغرات يقرر بدلًا عنهن.
الدراسات النفسية ايضاً تشير إلى أن هذه التجارب تؤدي إلى اضطرابات سلوكية وتمرد، وأحيانًا انجراف نحو سلوكيات خطرة.
وهو أمر لا يختلف عليه أي دين او عقيدة، لأن النفس البشرية تحتاج الجذر، لا القطع القسري.
حماية الطفل لا تعني اقتلاعه عن أمه أو محوه من سياقه الثقافي.
الحلول موجودة، لكنها تتطلب وساطة ثقافية حقيقية، دعم نفسي للأمهات، وإيجاد بدائل أقل ضررًا قبل اللجوء لأي فصل.
الحفاظ على الروابط الأسرية يجب أن يكون القاعدة، لا الاستثناء، إلى جانب ضمان الرقابة المستمرة على أي مؤسسات بديلة للأطفال حال تطلب الأمر فصلهم.
لذلك فالعدالة ليست في سرعة القرار، بل في القدرة على حماية الطفل دون محوه من جذوره ومضاعفة الأذى.
إن ما يحدث مع أطفالنا في إيطاليا ليس حالة استثنائية، بل نماذج متكررة تتعلق بالعديد من الأسر في عديد الدول والقصص تسمع يوميا.
لذا، من واجب المؤسسات الليبية المعنية بالشؤون الاجتماعية وحقوق الطفل أن تضع هذه القضية على جدول الأولويات، وأن تعمل على:
•متابعة أوضاع الأطفال الليبيين في مؤسسات الرعاية الأوروبية،
•توفير دعم قانوني ونفسي للأمهات والأسر المتضررة،
•بناء قنوات اتصال مباشرة مع السلطات الأوروبية لضمان احترام الحقوق الثقافية والدينية للأطفال.
•وتقديم حلول تحمي الطفل دون المساس بهويته أو جذوره.
•حفظ حق الأمهات والأسر في الدفاع والتوضيح وإستعادة أبناءهم.
الأطفال الليبيون في دور الرعايا الإيطالية والأوربية يحتاجون صوت بلادهم … سفاراتهم وقنصلياتها، وغياب هذا الصوت يزيد من هشاشة وضعهم ويهدد مستقبلهم الإنساني والاجتماعي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية