الكاتب/حسام الوحيشي
أواخرَ صيفِ عامِ “2009” كنتُ في مطارِ طرابلس—رحمه الله—في انتظارِ الطائرةِ التي ستتوجّهُ بنا إلى العاصمةِ الجزائرية..
كان رئيسُ تحريرِ «الشمس الثقافي» يقولُ لي على الهاتف إنّ الروائيَّ “محمدَ الأصفر” في طريقِه إلى الرحلة،. وطرفُ عيني يُخبرُني أنّ “محمدَ الأصفر” لا يضيع؛ فها هو يتهادى صوبِي، وعلى وجهِه تهكّمٌ كاملُ الدسم..
أنهيتُ المكالمة، وقبلَ أن أقولَ شيئًا اندفع محمدٌ قائلًا:
«ألا يجدرُ بك الآن أن ترتشفَ كوبًا من القهوة وتكتبَ عنه؟»..
ثم أضاف، مقلِّدًا نخبويًّا متخيَّلًا:
«المطرُ يَكْرُجُ على نافذتي، وتذكرةُ السفرِ في جيبِ بنطالي تُحدِّثُ الغيمَ عن القصيدة، ويُحدِّثُ الفنجانُ عن أجنحةِ الوحشِ المعدنيِّ الذي سيأخذُني إلى هناك.»..
قاطعته: «شهرُ سبعة يا محمد، والدنيا تَقْلِي.»..
أجابَ مُقفلًا المشهد، وعلى وجهِه علاماتُ تقزّزٍ مازحة:
«إذن أنت كاتبٌ غيرُ حداثي.»..
لا أدري لماذا تذكّرتُ غمزته—وهي ترتشق في ظهر طقسِ الكتابة المبالغِ في صدقِه—وأنا أتابعُ زخّاتَ الثلج عبر زجاجِ شباكِ الغرفةِ الدافئة.. وكوبُ “الإسبريسو” الساخن في يدي.. الثلج هنا ليس نخبويًّا مكرملا؛ لكنه يهمسُ أيضًا، رافضًا الشعبويةَ المالحة..
وجدتُ نفسي أهبطُ في «التايم لاين»، حتى صادفتُ صفحةَ الدكتورةِ “رانيا الخوجة”.. علامةٌ زرقاء صغيرة تلمع فوق الاسم… ثم الوجوه. المزيد من الوجوه…
في أروقةِ مكتبِها بالمستشفى بحُلّةٍ أنيقة،
وفي غرفةِ العمليات بكمّامةٍ بيضاء،
وفي قريةٍ ما بزيٍّ تقليدي،
وفي قاعةِ الاجتماعات بملابسَ رسميّة،
تُمسكُ بدرعٍ وشهادةٍ تُكرِّمُ بها شخصًا ما…
ثم تمسكُ صقرًا.
ثم في كرفانٍ رفقةَ الفريق.
ثم وسط الحشود.
ثم باقةُ وردٍ تُهدى، وتتأمل قرب نافذةٍ يفيضُ منها ضوءٌ غامر… إلخ..
توقفتُ عند صورةٍ بعينها. ليست الأناقةُ ما شدّني، ولا الصقرُ، ولا الدرع. ما شدّني هو ذلك الوهج… وهجٌ محسوب يعرف أين ينهش، وكيف يترك الكتف وحيدًا في منتصف الإطار كأنه بطلُ رواية..
قلتُ في سرّي: من أين خرج هذا المصوّر؟
كيف التقط ردهاتِ الطب كما لو كانت مسرحًا؟
وكيف جعل من يومٍ عاديٍّ مادةً لنجوميّةٍ هادئة؟
أطفأتُ الشاشة على رنينٍ قديم في رأسي: زينةٌ في الكلمة… ثم زينةٌ في الصورة..
لم أضحك. ازددتُ تقطيبًا. رفعتُ عينيّ إلى الندف وهي تهوي؛ والتساؤل يشبّ عن الطوق..
وبينما المصوّر يقنصُ لقطته، ما الذي لا يظهر في الإطار؟
أين خبّأ بشاعةَ المرض؟
أين وضع وجوهَ المرضى وهي تذبل تحت وطأة الألم والترقّب؟
كيف مرّت الفجيعةُ من هنا… بلا أثرٍ على العدسة؟
وخارجَ الزجاج كان الثلجُ يواصل سقوطه كما هو: لا يُلمّع شيئًا، ولا يعتذر عن برده..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية