منصة الصباح
جمعة بوكليب

ضَحكٌ اضطراري

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

توقفتْ الحافلةُ فجأةً: ماذا حدثْ؟ تساءلَ مُنزعجاً رجلٌ عجوزٌ كان يجلس بجانبي. لم أردَّ على سؤاله. ظللتُ جالساً في مقعدي منتظراً استئناف الحافلةِ السيرَ.

كان الوقتُ قرابة الظهر، والنهار كالعادة رمادياً بارداً “يغمّْ القلب ويضيّق الخاطر”. أعاد الرجل العجوز السؤالَ بانزعاج وبصوتٍ عالٍ، وكأنه يوجهه إلى كل من في الحافلة: ماذا حدثْ؟ لم يردَّ على السؤال أحدٌ من الركاب. كانوا قلةً من عجائز، من الجنسين، جالسين في مقاعد متفرقة.

قبل سؤال العجوز، كنت منشغلاً بالتفكير في كتابة مقالة عن أول شهر رمضان قضيته في بريطانيا. لكن وقوف الحافلة، وانزعاج جاري العجوز في المقعد المزدوج، خرج بي عن خط سيري، فاضطررتُ – مثل سائق الحافلة- إلى التوقف فجأة.

استأنفت الحافلةُ سيرها. زفر جاري العجوز زفرة ارتياح. عدتُ أنا سريعاً إلى نقطة التوقف في المقالة الرمضانية، واستأنفت التفكير. اخترتُ أن أبدأها في لحظة استلامي مكالمة هاتفية مسائية من أخي في طرابلس، يبلغني فيها بأن دار الإفتاء قررت أن يكون يوم الغد أول أيام رمضان. دخل الرجل العجوز على خط سيري ثانيةً، متسائلاً: هل عرفتَ سبب توقف الحافلة؟ أجبتُ على سؤاله بهزةٍ أفقية من رأسي من دون أن ألتفت نحوه.

عدتُ إلى المفتتح. قررتُ أن البداية ستكون أفضل لو أنني أفقتُ في صباح اليوم التالي من نومي، وتناولتُ إفطاري، ثم تصلني مكالمة هاتفية من صديقٍ يهنئني فيها بحلول أول يوم في شهر الصوم، ويودعني متمنياً لي صياماً مقبولاً. وجدتُ أن تلك البداية أكثر قرباً للواقع والحقيقة، ومدعاة للضحك أو البكاء، أو ربما الاثنين معاً.

توقفت الحافلة ثانيةً فجأة. خوفاً من أن يبادرني جاري العجوز بسؤال، طلبتُ من السائق بصوت مسموع للجميع أن يفتح لي باب الخروج. نهضتُ من مقعدي ووقفتُ قبالة الباب. ضحك الرجل العجوز، فأضحك معه العجائز في الحافلة. فوجئتُ بموجة الضحك الفجائي، وأخذتُ أضحك مثلهم.

شاهد أيضاً

ستيفاني .ت .وليامز «لـيـبـيـا بـعـد الـقـذافـي الفوضى والبحث عن السلام»

شبح القذافي .. جغرافيا ليبيا التاريخية والاجتماعية والطبيعية

ترجمة عبدالسلام الغرياني.. حين عدتُ إلى ليبيا عام 2018، كان قد مضى على رحيل معمر …