إعداد: مهند أحميدة
سلّطت وكالة «بلومبرغ» الأميركية الضوء على التحركات الأميركية المتزايدة في ليبيا، معتبرة أن البلاد قد تتحول إلى إحدى المحطات الرئيسية في استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهادفة إلى توسيع النفوذ الأميركي في أسواق الطاقة العالمية عبر زيادة إنتاج النفط وتشجيع استثمارات الشركات الأميركية في الدول الغنية بالموارد النفطية.
وتكشف تقارير حديثة لوكالة بلومبرغ ومراكز أبحاث أميركية أن واشنطن تنظر إلى ليبيا باعتبارها أحد أهم مفاتيح أمن الطاقة خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من احتياطياتها النفطية الضخمة وموقعها القريب من الأسواق الأوروبية.
إعادة تشكيل سوق النفط العالمي
تقود إدارة الرئيس دونالد ترامب تحولاً جذرياً في الأعراف التقليدية لكيفية إدارة الشركات الأميركية لأعمالها دولياً، وتحديداً في قطاع الوقود الأحفوري. وتوضح المؤشرات أن النهج الأميركي الذي ظهر سابقاً في التعامل مع ملفات طاقة دولية مثل فنزويلا وإيران، يتكرر اليوم في ليبيا ولكن بصورة أكثر هدوءاً، من خلال دعم جهود الاستقرار السياسي وتهيئة الظروف المناسبة لتوسيع الإنتاج.
وفقاً للتغطية الموسعة التي قادتها وكالة «بلومبرغ» في تقريرها بعنوان:
Exxon, Chevron Want In as Trump Remakes Global Oil Market
تستفيد الشركات الأميركية الكبرى من دعم حكومي وسياسي مباشر من واشنطن يمنحها ميزة تنافسية كبرى على نظيراتها الأوروبية (مثل شل وتوتال إنيرجيز وبي بي). في المقابل، تشعر الحكومات المضيفة برغبة قوية في كسب ود إدارة ترامب وتجنب أي تعقيدات سياسية أو تعريفات جمركية، مما يدفعها لتقديم تسهيلات غير مسبوقة للجانب الأميركي. وهو ما أكدته أيضاً منصة الشحن اللوجستي العالمية المتخصصة «ترانسبورت توبيكس» (Transport Topics) بإعادة نشرها للتقرير وتحليل أبعاده اللوجستية عبر موقعها الرسمي.

ليبيا في قلب استراتيجية الطاقة الأميركية
وفي تقرير آخر نشرته بلومبرغ بتاريخ 17 يونيو 2026 بعنوان:
Trump’s Libya Push Aims to Turn a Fragile Truce Into an Oil Bonanza
وكذلك تقريرها المعنون بـ (Libya Becomes a Target in Trump’s Global Energy Strategy).
أوضحت الوكالة أن الإدارة الأميركية تنظر إلى ليبيا بوصفها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وأن تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني بين الأطراف السياسية المتنافسة يمكن أن يفتح الباب أمام زيادة كبيرة في الإنتاج النفطي واستقطاب استثمارات أجنبية جديدة، بما يعزز إمدادات النفط للأسواق العالمية، خاصة الأسواق الأوروبية القريبة جغرافياً.
عودة الشركات الأميركية الكبرى
تشير التقارير إلى أن عدداً من عمالقة الطاقة الأميركيين بدأوا بالفعل تعزيز حضورهم في قطاع النفط الليبي، ومن أبرزهم:
- ConocoPhillips: التي وقعت اتفاقيات تطوير جديدة.
- Chevron: التي تدرس توسيع نشاطها في البلاد.
- ExxonMobil: التي تبحث إمكانية العودة إلى السوق الليبية بعد سنوات من الغياب.
وتسعى هذه الشركات للاستفادة من جولات الاستكشاف والتراخيص والمربعات الجديدة التي طرحتها المؤسسة الوطنية للنفط، والتي تتضمن مناطق واعدة تحتوي على احتياطيات وموارد تُقدّر بنحو 10 مليارات برميل من الموارد النفطية المحتملة المعروضة للمستثمرين الأجانب.
المصدر: Exxon, Chevron, Trump Oil – Transport Topics
هدف طموح: مليونا برميل يومياً
تنتج ليبيا حالياً نحو 1.3 مليون برميل يومياً، بينما تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط رفع الطاقة الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً خلال السنوات المقبلة من خلال تطوير الحقول القائمة، وإعادة تشغيل المشروعات المتوقفة، واستقطاب استثمارات وشراكات دولية جديدة.
ويعني تحقيق هذا الهدف إضافة نحو 700 ألف برميل يومياً (زيادة بنسبة تناهز 40%) إلى السوق العالمية، وهو ما قد يمنح ليبيا ثقلاً أكبر في معادلة الطاقة الدولية إذا نجحت خطط التوسع والتطوير.
المصدر الرسمي: المؤسسة الوطنية للنفط

النفط الليبي والرهان الأوروبي
رصد تقرير وكالة Argus Media المتخصصة في تسعير وتحليل أسواق الطاقة العالمية، والمنشور تحت عنوان:
ارتفاعاً في صادرات النفط الليبي واستقراراً نسبياً ومرونة لافتة في حركة وجدولة الشحنات النفطية، ما يجعل الخام الليبي (مثل خام السدرة الخفيف والحلو) خياراً ومفضلاً وبديلاً مثالياً جاهزاً للتدفق الفوري نحو المصافي الأوروبية بفضل قربه الجغرافي وجودته العالية.
وساطة أميركية لتأمين الاستقرار النفطي
لم تقتصر التحركات الأميركية على الجانب الاقتصادي والتجاري فقط، بل امتدت إلى المسارين السياسي والدبلوماسي من خلال تحركات مكثفة تعزز هذا التوجه الاستراتيجي.
ففي دراسة نشرها مركز الفكر الأميركي «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council) بتاريخ 15 مايو 2026 بعنوان:
An oil windfall will not fix Libya’s economy
أشار الباحثون إلى أن واشنطن، بقيادة المبعوث والمستشار الخاص للشؤون الإفريقية والعربية مسعد بولس، تعمل وتبذل جهوداً حثيثة لدفع الأطراف والقادة في شرق وغرب ليبيا نحو ترتيبات مالية أكثر استقراراً و”ميزانية موحدة”، بما يضمن حوكمة واستمرار تدفق العائدات النفطية وتأمين استثمارات قطاع النفط على المدى الطويل.

ليبيا كبديل استراتيجي في أوقات الأزمات
تناول تقرير صادر عن منصة “مجلة المنارة” التابعة للمركز العربي في واشنطن (Arab Center Washington DC) بعنوان:
Libya: One Step Forward, Two Steps Back
الأبعاد الجيوسياسية للدور الليبي في سوق الطاقة، حيث كشف التقرير أن إبرام الميزانية الموحدة وتخفيف حدة النزاع المالي في ربيع 2026 تم برعاية أميركية واضحة.
وأوضح التقرير نقطة استراتيجية جوهرية تفيد بأنه في ظل استمرار المخاطر الأمنية وتأثر سلاسل التوريد في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز والخليج العربي، فإن إدارة ترامب تنظر إلى ليبيا باعتبارها البديل الاستراتيجي الأسرع لسد أي عجز مفاجئ في إمدادات النفط العالمية وتأمين احتياجات الحلفاء الغربيين.
خبير اقتصادي: الاستقرار هو مفتاح الاستثمار
وفي تعليقه لـ«الصباح» على ما ورد في التقارير الدولية، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشحاتي: إن الربط بين مستقبل النفط الليبي والسياسة الأميركية يحتاج إلى قدر من التوازن، موضحاً أن قرارات الاستثمار في قطاع الطاقة لا تُبنى على الاعتبارات السياسية وحدها، بل على حجم الاحتياطيات والعائد المتوقع ومستوى المخاطر.
وأضاف الشحاتي أن ليبيا تمتلك مقومات واحتياطيات ضخمة وتكاليف إنتاج منخفضة تجعلها من أكثر الوجهات جاذبية لشركات الطاقة العالمية، إلا أن العامل الحاسم يبقى تحقيق الاستقرار الداخلي، وتوحيد المؤسسات، وتحسين بيئة الأعمال وخفض المخاطر التشغيلية. وأوضح أنه متى ما تحقق ذلك، ستكون ليبيا قادرة على استقطاب استثمارات من شركات أميركية وأوروبية وآسيوية على حد سواء، بغض النظر عن هوية الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة.
وفي وقت تتسارع فيه المنافسة الدولية على مصادر الطاقة، تبدو ليبيا أمام فرصة استثنائية لاستثمار موقعها كصاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وتحويل ثروتها النفطية إلى رافعة اقتصادية حقيقية. غير أن تحقيق أهداف رفع الإنتاج واستقطاب الاستثمارات الكبرى سيظل رهيناً بقدرة البلاد على ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني وتوحيد المؤسسات الاقتصادية. وبينما تنظر واشنطن إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من استراتيجيتها لتعزيز أمن الطاقة العالمي، يبقى نجاح هذه الرهانات مرتبطاً أولاً بقدرة الليبيين على بناء بيئة مستقرة تضمن استدامة الإنتاج وتحويل عائدات النفط إلى أدوات للتنمية بدلاً من أن تبقى محوراً للصراع والتجاذبات السياسية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية