جمعة بوكليب
زايد…ناقص
في كتاب الروائية المصرية ميرال الطحاوي، الصادر عن “مركز المحروسة” بمصر عام 2020، والمعنّون “بعيدة برقة على المرسال”، وبعنوان فرعي (أشعار الحب عند نساء البدو)؛ تنقلنا الكاتبة إلى تاريخ وجغرافيا مختلفين، مكانهما ذاكرة الجَدّات. ونكتشف منذ البداية، أننا أمام عالم لا نعرفه.
فحين تخطر كلمة “مصر” على أذهاننا، فإن ذاكرة الكلمة تحيلنا إلى بلد بتاريخ وجغرافيا معروفين لنا. أهم مفرداته “نهر النيل”، الذي يمتد من الجنوب إلى الشمال ويشقُّ مصر نصفين، ويمدها وسكانها بالحياة وبالاستقرار والاشتغال بالزراعة. ولا يخطر على بالنا مطلقاً تلك الفئة الاجتماعية من “العرب البدو” التي تعيش على هامشه، على حواف النهر، ترعى إبلها وأغنامها، وترفض أن تكون جزءاً من مجتمع المصريين؛ بهدف الحفاظ على نقاوة أصولها وتاريخها وأنسابها العربية من الاختلاط بدماء وثقافة وأنساب الفلاحين والأغراب.
عزلتهم، لا تختلف عن عزلة أي مجموعة عرقية أقلية تعيش على الهامش. الانغلاق عن المحيط الاجتماعي فيما يشبه (الجيتو اليهودي) هو سلاح أغلب الأقليات الإثنية في مختلف المجتمعات الإنسانية، بغرض الحفاظ على نفسها من الذوبان.
التاريخ تحفظه ذاكرات الجدّات وترويه ألسنتهن. والجغرافيا تحددها الكثبان والرمال، ولا علاقة لهما بالتاريخ والجغرافيا اللذين قرأناهما في الكتب ذات الصلة بتاريخ مصر وجغرافيتها. فهو تاريخ لا يُكتب، بل ينتقل من جيل إلى جيل على الألسن، ويعيش معلقاً في أغصان “شجرة النسب”، ويتوطد في جغرافيا غير مستقرة، لكنها في الوقت ذاته محددة المعالم. الصحراء، في متن جدّات الكاتبة ميرال الطحاوي، تعني ثقافة وقيماً بدوية تحدد الموقع من الوجود.
اسلافها، يطلق عليهم اسم (العربان). اقطاعيون يكرهون الزراعة. أجبروا في مصر على الاستقرار بقوة القانون. لذلك لجأوا إلى المقاومة بعزل أنفسهم عن الفلاحين والصعايدة المستقرين – الذين يعدّونهم خدماً لهم – من خلال تشييد أسوار طينية تحيط بنجوعهم لتكون قلاعاً تعزلهم وتميّزهم، وتحُول بينهم وبين الاختلاط والذوبان داخل تلك البيئة الزراعية المستقرة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية