باختصار
منذ أكثر من عامين، وأنا ألتزم بكتابة مقال رأي أسبوعي في الصباح، الجريدة والمنصة… قد يبدو الأمر بسيطاً لمن يراه من الخارج، وربما يعتقد البعض أن الكتابة مسألة إلهام أو تعبئة وقت فراغ، لكن التجربة علمتني أن البداية ليست المشكلة أبداً، بل إن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين يتحول ما بدأته بشغف إلى التزام لا يحتمل الأعذار.
الكتابة الأولى سهلة وممتعة، وكذلك الثانية، وحتى العاشرة، لكن بعد أشهر، حين تتشابه الأيام، وتزدحم المسؤوليات، وتختفي المواضيع، ويخفت بريق الحماس، يظهر السؤال الحقيقي: هل تستطيع أن تستمر؟ هنا فقط يتضح الفرق بين من يبدأ، وبين من يملك النفس الطويل للمواصلة.
هذه القاعدة لا تخص الكتابة وحدها، بل أجزم أنها تكاد تكون قانوناً عاماً في حياة البشر، فمعظم الناس يجيدون البدايات، يبدؤون الرياضة بحماس، يشترون الملابس والأحدية، ويشتركون في الصالات والنوادي، ويلتقطون الصور، ويتحدثون عن نمط حياة جديد…. لكن بعد أسابيع، وربما أيام، يتوقف كل شيء، ليس لأن الرياضة صعبة، بل لأن الاستمرار فيها أصعب من البدء بها….. الأمر ذاته ينطبق على الرجيم، وعلى التعلم الذاتي، وعلى المشاريع المهنية.
وينطبق كذلك على الادخار وتنظيم الأموال، فمعظم الناس يبدؤون بخطة مالية جميلة في دفاتر جديدة، ويعدون أنفسهم بتوفير جزء ثابت من المرتب كل شهر، ويتحمسون في الأيام الأولى، ثم مع الوقت يختفي هذا الحماس أمام المغريات والالتزامات المفاجئة…. فيبدأ الشهر بقوة وينتهي بتأجيل، ومع التأجيل تتبخر الخطة كلها، ليس لأن الادخار صعب، بل لأن الانضباط في الاستمرار أصعب… والذين ينجحون مالياً ليسوا الأكثر دخلاً بالضرورة، بل الأكثر التزاماً بالخطوات الصغيرة المتكررة التي لا تتوقف مهما تغيرت الظروف.
وينطبق هذا أيضاً على العلاقات الإنسانية بيننا نحن البشر، فالحب مثل غيره من القيم، لا يقاس بلحظة الاعتراف الأولى ولا بحرارة المشاعر في بدايتها، بل بالاهتمام المتواصل…. كثيرون يتقنون البدايات العاطفية، فتراهم يختارون الكلمات الجميلة والحضور الكثيف، لكن القليل فقط من ينجح في البقاء حاضراً بعد أن تهدأ المشاعر، وتتحول العلاقة إلى مسؤولية يومية، فالعلاقات لا تفشل غالباً بسبب غياب الحب، بل بسبب عدم الاستمرار فيه.
لهذا كنت ولا زلت أقول: إن الوصول إلى المركز الأول أسهل من البقاء فيه، لأن البقاء يعني تكرار النجاح، والحفاظ على المستوى، والعمل تحت ضغط الظروف والتوقعات.
التاريخ مليء بأسماء لمع نجمها سريعا ثم اختفى، ليس لقلة الموهبة، بل لعسر الديمومة، وغياب الانضباط.
الاستمرارية لا تعني غياب التعب أو الملل، بل تعني العمل رغم وجودهما….. أن تنجز في الأيام العادية، وليس فقط في الأيام الجيدة.
في النهاية، الفارق الحقيقي بين من يترك أثراً ومن يمر عابراً، ليس في قوة البداية، بل في القدرة على الاستمرار…. فالبدايات جذابة، لكن الاستمرار وحده هو ما يصنع المعنى
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية