الصباح/ خلود الفلاح
يجمع السياسيين الليبيين، على أهمية المصالحة الوطنية، وفي المقابل لم يصل ملف المصالحات إلى صيغة توافقية. في هذا التقرير، أشار الضيوف إلى أن ليبيا لا تحتاج إلى مصالحة مجتمعية قدر حاجتها إلى مصالحة سياسية.
تاريخ المصالحة الليبي
ميثاق الحرابي في 18 أبريل 1946، اجتمع المشايخ بجمعية عمر المختار في درنة، للتوقيع على “ميثاق الحرابي” بين قبائل الحرابي في منطقة الجبل الأخضر، وبين سكان مدينة درنة، ويتكون الميثاق من خمس نقاط تدعو إلى السلم الأهلي.
في التاسع من سبتمبر عام 2021، أعلن المجلس الرئاسي عن مشروعه للمصالحة الوطنية، وهي المهمة التي كلفه بها ملتقى الحوار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة بين أطراف النزاع الليبي في جنيف في يناير عام 2021.
وفي يناير 2025، أقر مجلس النواب قانون المصالحة الوطنية.
وفي فبراير 2025، أعلن مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، توقيع ميثاق السلام والمصالحة.
تعبير مشوش
يرى أستاذ الاعلام في جامعة الزيتونة محمد عمر غرس الله أن القرارات والإجتماعات الليبية الليبية المتنوعة – التي صدرت فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية – معتبرة وجيدة، وايضا الجهود التي تقوم بها منظمات دولية واقليمية، لها إعتبارها ولو في صورة جعل المصالحة الوطنية موضوع متداول، لكن هذا ليس كافيا في الواقع ويحتاج لرسم طريق المصالحة الوطنية بوضوح وشجاعة وموضوعية، بتعريف بين من ومن يريد المصالحة، ومن هم المختلفين سياسيا، وما صفاتهم، وما هي أطرهم السياسية، وهذا نفسه فيه نقاش طويل وعميق ومفتوح، ولابد من توفير الجو المناسب لحدوثه فعليا لا التماهي معه، والتعمية عليه، ومجاراته، أو حتى الخوف من ردة فعله.
ويتابع: في الحقيقة يكثر الحديث عن المصالحة الوطنية في ليبيا، حتى صارت لازمة يضمنها الكثير من السياسيين والإعلاميين في مداخلاتهم وكلماتهم، وهي تحولت إلى تعبير عاطفي مشوش، أكثر منه تعبير عملي حيث تم تصنيع تصور وإنطباع عن هذا الموضوع دون مناقشته بعمق، ومع إعتبار وتثمين المشاعر والمقاصد الوطنية في ليبيا في تناول هذا الموضوع، نجده في حاجة ضرورية لممارسة نقد لموضوعه من أجل صيانة المقاصد وتهذيبها ووضعها في سياق وطني صحيح وعملي، دون إهمال ما تم ويتم من إجراءات ومؤتمرات وقرارات وبيانات وكل المشاعر الشعبية في تناوله.
يبدأ الكاتب صلاح نقاب حديثه، بجملة لنيلسون مانديلا، الذي قاد جنوب افريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري، ” إذا أردت صنع السلام مع عدوك، فعليك أن تعمل معه، ثم يصبح شريكك”، ويستطرد: لكن في ليبيا، لم تتوفر إرادة حقيقية لدى الأطراف المتصارعة للعمل معًا على بناء الدولة فعلى الرغم من تعدد المبادرات والمشاريع التي أُطلقت لتحقيق المصالحة الوطنية في ليبيا، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه الجهود لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ويشير محمد عمر غرس الله، إلى أن مراجعة للسياق السياسي الذي يتم فيه تناول موضوع المصالحة الوطنية يفتقد لتعريف من هم الأطراف الذين نرغب في إجراء مصالحة وطنية بينهم، فدون تحديد وتسمية هذه الأطراف المفترضة، والتي يراد توقيع إتفاق مصالحة بينها، سيبقى تناول موضوع المصالحة مفتوحا على الإحتمالات، وقد يأخذ شكل فضفاض يشمل المصالحة بين 7 مليون ليبي، حيث افتقدت الصيغ السياسية للمصالحة لتحديد الأطراف (المفترضة) التي نرغب في تحقيق مصالحة بينها، وهذا يطرح سؤال هل المجتمع العربي الليبي (كمجتمع) يحتاج لمصالحة أم ان المجتمع بطبيعته يرتق الفتق الذي حدث، وتجاوزت الناس جراحها وأثار ما حصل، وهو يتم حصره تدريجياً بطبيعة المجتم في ألآم ضيقة انحسرت على المستوى الأُسري والفردي وفي أضيق حدود، حيث أتسم المجتمع العربي الليبي بقدرة عالية على التماسك ومداواة الجراج وعادت الحياة لطبيعتها تدريجياً.
ويعني ذلك، بحسب غرس الله، أن تسييس الإنقسام الأفقي (تجاذبات الحياة اليومية) ووضع هذه التجاذبات في تصور (أطر سياسية) يجعل من فكرة المصالحة وبالاً على المجتمع عكس المأمول منها، فتوقيعها – دون حل هذه الأطر ومنع قيامها وبقائها – سيكون بمثابة تثبيت الأطراف المفترضة، التي سيسجل توقيعها (كأطراف) على الواقع الوطني، وتصبح حجة يتم إشهارها في أول قرار إداري أو سياسي، بحجة المحاصصة وتمثيل هذا الطرف أو ذاك بحجة حراسة الإتفاق، الأمر الذي يخرج فكرة المصالحة من سياقها ويجعل منها مشكلة لا حلاً، ويدخل البلاد في دوامة الإنقسام كما نرى”.
معالجة جذور الأزمة
وعلى جانب آخر، يؤمن صلاح نقاب ـ وهو ناشط حقوقي أيضا ـ أن المصالحات المطروحة تفتقر إلى آليات تنفيذية فعالة، كما أنها غالبًا ما تُصاغ بطريقة تُرضي الأطراف السياسية المتناحرة دون معالجة جذور الأزمة الليبية، مثل انعدام الثقة بين الفرقاء، وغياب سلطة مركزية قوية، والتدخلات الخارجية المستمرة لم تحقق مشاريع المصالحة الليبية أي إنجازات فعلية نظرًا لانعدام الإرادة الحقيقية للتنفيذ، وغياب العدالة الانتقالية، وتكرار تجارب مصالحة شكلية مماثلة في دول أخرى لم تؤدِّ إلى استقرار. المصالحة ليست مجرد قوانين ومواثيق، بل عملية تتطلب إرادة سياسية صادقة وإجراءات عملية تعالج جذور الأزمة.
وكما قال هنري كيسنجر، “إن التاريخ لا يغفر لمن يخلط بين الوهم والواقع” وهذا ينطبق على المبادرات الليبية التي تروّج للمصالحة كإنجاز سياسي بينما الواقع يُظهر استمرار الانقسامات والصراعات المسلحة.
ويستدرك محمد عمر غرس الله “المصالحة الوطنية واقعة وهي تتنفذ يوميا بطبيعة المجتمع – فلا يوجد إنقسام إجتماعي في ليبيا – ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في طبيعة المجتمع العربي الليبي اليوم، فحقيقة الإنقسام (سياسية وأمنية وعسكرية) وليست إجتماعية، وهذا ما يجب ان يوجه له فكرة المصالحة وتنفيذها، كمصالحة سياسية بين المتنفذين في البلاد والذين يتمترسون على المناصب والمغانم والأسلحة، فتوحيد البلاد سياسيا (ثم أمنياً وعسكرياً) هو المصالحة الليبية المطلوبة (حل وإلغاء اي صيغ سياسية تتقاسم البلاد)، وهو ما يجب ان توجه له قرارات المصالحة وتفاصيلها، وهذا له علاقة مباشرة بفكرة الوفاق الوطني المشوشة، والتي تفتقد للبعد الوطني بإبقائها على نفس التكوينات السياسية بعد توقيع الوفاق”.
ويختم “فإن التوحيد السياسي للبلاد هو اولى خطوات المصالحة الوطنية، وهو سينعكس تلقائياً على الواقع في تفاصيل الحياة الوطنية، ودون ذلك يعد ذهاب بعيداً عن المشكلة، ويمكن القول إن أي حديث أخر هو عملية تعمية على المشكلة الحقيقية والهروب منها، والذهاب بعيدا عنها”.