منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*الصحة والهوية والطعام الموروث* 

ليس الطعام ما تأكل إنما ما يأكلك أنت أيضا حين تمضغ جذورك وتتجرع ذاكرتك فكل لقمة موروثة تحمل رائحة طين القرية ونبض موسم الحصاد وعرق جبين أمك وهي تعجن،

وما تبقى من أنفاس فلاح توفى قبل أن تولد ولكن يديه لا تزالان تمدانك بالحياة من تحت التراب فانتبه أيها الإنسان فأنت لست وعاء فارغا يوضع فيه أي طعام أنت صفحة بيضاء كتب عليها الأجداد وصاياهم بمداد الحبوب الكاملة والسمن والتمر والعسل، ثم جاء زمن النسيان فمحى تلك الوصايا واستبدلها بإعلانات ملونة عن طعام بلا روح، وأكل يشبه الطعام ولكنه ليس طعاما لأنه ولد في معمل وليس في حضن الأرض، وله رقم تسلسلي وليس قصة حب، فصارت الأطعمة يتيمة وفقدت أنسابها وتاهت هوياتها ،

وصارت الجسد تأكل ما يمرضها باسم التطوير وما يقتلها باسم التحديث، فاحذر من السكر المكرر أيها المسكين لأنه ليس سكرا بل سم أبيض يخترق جدران أمعائك كسكين خفية ويسكر بنكرياسك حتى ينهار ثم يغزو دماغك فيصنع إدمانا أشبه بجنون مؤقت يحملك على أن تأكل المزيد لتشبع جوعا وهو ليس جوع إنما شهوة مزروعة فيك بعناية فائقة، واحذر الزيوت المهدرجة لأنها دهن ميت يابس لا تعرفه شجرة زيتون ولا نعجة سعيدة، يخرج من آلات تطحن البذور وتحرقها ثم تعيد تشكيل جزيئاتها فتصير ملتوية كذئاب في ثياب حملان تدخل شرايينك فتصلبها من الداخل كالإسمنت ويصير دمك يمشي بالكاد كرجل فوق الثلج، واحذر المشروبات الغازية فهي سخرية من العطش وجريمة في حق البلعوم لا ماء فيها يروي ولا طعام يغذي ولا فيتامين يبني مجرد فقاعات غازية كالأكاذيب وسكر مذاب كالسموم وأحماض تأكل أسنانك من الخارج وعظامك من الداخل وتنفخ بطنك كالبالون ثم تفرغك فلا يبقى فيك شيء إلا التعب والنفخة والندم، وعوض ذلك كله تشبث بموروثك تشبث الجائع بثدي أمه، والغريق بخشبة يابسة، ففي الموروث حكمة لم تكتب بعد ولكنها سارية في دمك منذ كنت جنينا، القمح الكامل يحفظ جدار أمعائك كالحارس الأمين، وزيت الزيتون البكر يجري في عروقك كالذهب السائل، واللبن المختمر يسكن أمعاءك كجيش صامت من البكتيريا النافعة، والعسل يلمع في حلقك كشمس صغيرة تذيب كل ألم والخبز المخمر بروح الأم لا برحمة الخميرة الصناعية يذكرك بأن الحياة بطيئة وجميلة وعليك أن تتنفس قبل أن تبلع، وانتبه أيضا إلى الأواني التي تطبخ فيها فإن الفخار ليس مجرد طين مشوي بل رحم دافئ يتنفس مع طعامك فيخرج الهواء الفاسد ويدخل الهواء النقي والطعام فيه كالجنين في بطن أمه محموم بالحياة ولا يحرق ولا يلتصق ولا يكذب، والنحاس الأحمر يلمع كالشمس فيقتل الميكروبات قبل أن تقتلك، والحديد الزهر يعطيك حديدا طبيعيا كزهرة حمراء تفتحت في طعامك أما أواني التيفلون فجميلة كوجه كاذب يخفي سما بطيئا يذوب في زيتك الساخن ثم يستقر في كبدك لسنوات، والألمنيوم الخفيف كالريشة يخترق عقلك كسهم لا تراه ويقال أن الحضارة تقدست حين اخترعت أواني لا تحتاج إلى غسل كثير، ولكن لا أحد يقول إن تلك الحضارة هي التي زرعت السرطان في ضحكات الأطفال، فتراجع يا صديقي وتنفس بعمق واسأل نفسك قبل أن تضع اللقمة في فمك من أين أتت هذه اللقمة، هل تعرف اسما لفلاح زرعها أم أرضا أمطرتها السماء أم موسما نضجت فيه أم يد أم عجنتها أم قلب أحبها أم أنها جاءتك في صندوق كرتوني من مصنع لا يعرف معنى التراب، فاختر واعلم أن اختيارك اليوم يكتب مستقبل جسدك ونفسك وروحك وذاكرة أبنائك، فإذا أكلت طعاما موروثا طبيعيا فأنت تقول بصوت عال أنا ابن هذه الأرض وأنا حفيد أولئك الذين عرفوا كيف يقدسون الجوع قبل الشبع، وإذا أكلت طعاما مصنعا فأنت تقول بلا وعي أنا مستهلك بلا جذور أمشي على قدمين ولكن قلبي يضخ بلاستيك ودمي يجر زيوتا مهدرجة وروحي تبحث عن هوية في علبة ملونة فارغة، لست وحدك في هذا الطريق أيها العائد إلى الجذور فهناك جيش صامت من الأمهات اللواتي يخبزن باليد، ومن الشباب الذين يزرعون أسطح بيوتهم ، ومن الأطباء الذين يصفون الحبة الكاملة قبل الحبة الكيماوية، ومن الشعراء الذين يكتبون عن رائحة البصل المقلي في زيت الزيتون على نار هادئة، انضم إليهم ولو خطوة واحدة في الأسبوع اطبخ طبخة جدتك وكلها بأواني أمينة وشاركها مع من تحب، واشرب الماء من كوز فخار وانظر إلى السماء واشكر الأرض التي لا تزال تمنحك السنابل والعراجين والزيتون والعسل والحياة، واعلم أن صحتك ليست رفاهية ولا ترفا ولا تجميلا للجسد فهي أمانة حملتها الأجيال على ظهورهم فسلموها لك وأنت الآن تحملها إلى من بعدك فكن أمينا كما كانوا أمناء وكن حكيما كما كانوا حكماء وكن شغوفا بالتراب كما كانوا شغوفين لأن التراب هو الذي يمنحنا الأكل والأكل هو الذي يمنحنا الذاكرة والذاكرة هي التي تمنحنا الهوية والهوية هي التي تمنحنا القدرة على أن نقول وسط زمن المستهلكين نحن لنا جذور تمتد تحت كل الأسفلت ونحن لنا خبز يفوح برائحة الأمهات ونحن لنا زيت يجري كالشمس في عروقنا ونحن هنا ولن نرحل ولن نبدل تراثنا بوجبة سريعة، ولن نبيع صحتنا بعلبة غازية، ولن نستبدل طين الفخار بتيفلون مسموم فتحيا الأرض التي أطعمتنا وتباركت أيد أمهاتنا وجداتنا وأخواتنا وزوجاتنا اللواتي حافظن على طعامنا الصحي الموروث

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

إنقاذ المصاب.. بين الإنسانية والمسؤولية

تداولت صفحات على فيسبوك مقطع فيديو يُظهر إنقاذ مصاب في حادث مرور مروع نتجت عنه …