تقرير/ إبراهيم الحداد
بينما تنشغل دول العالم بحماية «الفاصلة العشرية» في ميزانها التجاري، قررت ليبيا في لحظة تجلٍّ اقتصادي اعتماد «نظرية الغربال»، حيث نستورد السلع بالعملة الصعبة المنال لنصدرها “بالدينار المنهار” عبر 6 ثقوب سوداء تسمى مجازًا منافذ برية.
والنتيجة: دينار يمارس رياضة القفز الحر ليتجاوز حاجز الـ10 دنانير، أمام حكومة تقف متفاجئة وكأنها اكتشفت للتو أن الصنبور مفتوح على آخره منذ 50 سنة.
رحلة تراجيدية
تبدأ تراجيديا في الغرب، وتحديدًا في منفذي رأس جدير ووازن، حيث تكتشف أنك في دولة تمارس الإحسان مع جيرانها الأقوى اقتصاديًا؛ فنحن نضخ 25% من ميزانيتنا في بالوعة الدعم لتستقر في صهاريج المهربين المتجهة لتونس.
لتر البنزين المستورد، الذي يُباع بـ0.15 قرش في طرابلس، أرخص من هواء الإطارات في تونس، يقطع الحدود ليصبح بـ2 دولار تقريبًا، محققًا للمهرب ربحًا يفوق 1000%، بينما يقف المواطن الليبي في صف بجانب مضخات الوقود الخاوية في طرابلس بسبب هذه الفعلة، وهو يحاول الذهاب إلى تونس ليعالج في مصحاتها آثار هذه السياسة العرجاء!
نيل جديد

أما ملحمة “السلوم” مع الشقيقة مصر، فهي “ديزني لاند” المهربين بامتياز.
هنا لا نتحدث عن تهريب، بل عن “نهر نيل جديد” يتدفق عكس الاتجاه؛ نهر من الديزل والبنزين والأجهزة الكهربائية التي استوردها المصرف المركزي بالدولار “المقدس” لتُباع هناك “بالجنيه” في مزاد علني.
الكوميديا السوداء تكمن في أن السلوم تحولت إلى “بوابة سحرية“؛ تدخل منها العمالة المصرية والسودانية بالآلاف لتبحث عن قوت يومها في بلد يغرق، وتخرج منها “أطنان الرزق الليبي” لتطعم الملايين خلف الحدود.
السيادة هنا ليست للدولة، بل لسائق الشاحنة الذي يمرر أرزاق الليبيين بـ”غمزة عين” أو إكرامية تافهة، بينما يتحدث المسؤولون خلف مكاتبهم عن “السيادة الوطنية“، وهم لا يملكون سيادة حتى على ما يوجد في ثلاجات بيوتهم التي امتلأت بالسلع المهربة.
إنه القاتل الصامت للسوق الليبي؛ نحن ندفع فاتورة الطعام والوقود لقارة بأكملها، ونستغرب في نهاية الشهر لماذا لا نجد “سيولة” في المصارف!
تبادل غريب
وفي أقصى الجنوب، وتحديدًا في العوينات والكفرة، يتحول الاقتصاد إلى “وقود للمحارق“. نحن نمارس الكرم الانتحاري عبر تصدير الوقود والغذاء لخفافيش الظلام وفصائل الحرب في السودان، لنقبض الثمن “لاجئين” يضغطون على ما تبقى من جدران الدولة المتداعية.
تشير الأرقام السوداء إلى أن 30% من وقود الجنوب يذهب لدعم “خلاطات التعدين” وآلات الحرب وراء الحدود، بينما يقف ابن الكفرة في طابور مهين لثلاثة أيام ليظفر بـ20 لترًا من البنزين لسيارة قد لا تجد طريقًا معبدًا تمشي عليه.
مفارقة عجيبة

ولا يكتمل المشهد دون “التوم” و”أيسين” في الجنوب الغربي، حيث الحدود مجرد “خيال مآتة“.
هناك تتبخر السلع الأوروبية المدعومة لتظهر في أسواق النيجر وتشاد، بفضل “الدولار الليبي” الذي يمول رفاهية الجميع إلا الليبيين.
المواطن في “جانت” الجزائرية قد يركب قطع غيار أصلية لسيارته أرخص مما يركبه المواطن في طرابلس، لأن المهرب الليبي “كريم من مال غيره”
انتحار جماعي
إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة سعر صرف، بل هو انتحار جماعي تقوده منافذ تحولت إلى “نوافذ” للهروب الكبير؛ هروب الثروة، والسيادة، والأمل.
نحن الدولة الوحيدة التي تشتري احتياجات 50 مليون نسمة بميزانية 7 ملايين، ثم نتساءل ببراءة الأطفال: “لماذا وصل الدولار إلى عشرة؟“.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية