منصة الصباح
عبدالحكيم كشاد

الخمسيني

بعد الخمسين خرجت بفكرة قديمة عن نفسي ، كانت تقنعني أن الاستمرار يعني اﻹضافة ، بينما الحقيقة أن ما حدث هو نزع بطيء هادئ ودقيق لكل ما لم يكن لي أصلا ، وبقيت واقفا أمام عمري بلا رتوش ولا زينة ، الجسد الذي ظننته يوما أداة طيعه ، كشف أخيرا عن صراحته الكاملة ، توقف عن مجاملتي ، لكنه لم يخذلني ، وكل وجع فيه صار جملة تقول ماتجاهلته طويلا حين كنت أؤجل اﻹصغاء وأسفي . الرغبة لم تنطفئ لكنها لم تعد تركض نحوي ، صارت معرفة بطيئة تختبر المسافة قبل الاقتراب ، ﻷن الشغف اﻷعمى كان في كثير من اﻷحيان قفزا على الشجاعة ، ولكن الاقتراب اﻵن مسؤولية لا أقبلها إلا حين تكون آمنة . فأنا حين أقف أمام المرآة لا أساومها ، و لا أطلب منها أن تجاملني ، أراها تعيد إلي تلك المرأة التي ارتمت في حضني بكل ذكرياتها ، وما تعج من حياة ، فأعادت ارتجافي القديم بما يشبه المعجزة . كان ليس سهلا النجاة من ملامحها ، رجعت أنظر إلى المرآة ﻷ مما حدث فالخطوط التي ارتسمت على ملامحي وقتها لم تسجل في كتاب الخسارة ، واتضح لي أن ما اشتاق إليه ليس الشباب إنما ذلك الشغف الجميل الذي كان يحميني من ثقل الفهم ، اﻷماكن لم تكن ولن تكون رحيمة بي ﻷني أنا من أعطيتها روح الحياة ، وسأبقى الملم أماكن غيرها ، ما فقدته في هذا العمر لم يكن بشرا أو تجارب أصبحت ذكريات ، بقدر ما كان احتمالات طرق لم أعد أرغب في السير فيها ، ربما نسخا مني كانت تعيش في عيون اﻵخرين، وتحتاج الاعتراف الخارجي كي تشعر أنها موجودة ، بينما صرت اﻵن أسكن جلدي وحدي ، وهذا أصعب وأكثر صدقا . الدفء لم يختف لكنه لم يعد ينتظرني خارج نفسي ، صار نارا صغيرة أحرسها بعناية لا أسمح للريح أن تساومني باسم الحب ، ولا أمد قلبي نحو ما لا يعرف كيف يبقى حين يبرد الطريق . الذاكرة لم تعد مفتوحة هي مساحة أختار فيها ما يبقى ، وما أتركه للنسيان الغفران صار مهارة بقاء تخفيفا ليد تعبث من حمل ما لايعيد الحياة . وأنني أشبه اﻵن وجودي في غرفة صارت أوسع ﻷني أخيرا أغلقت نوافذ كنت أفتحها خوفا من الوحدة ، والوحدة نفسها لم تعد تهديدا تجلس معي بصمت ، وتتركني أفكر دون أن تطالبني بتفسير . اليوم في منتصف العمر أنظر إلى الخلف دون ندم ، الجسد حين يتحول بلا خسارة في القلب لا يؤلم ولكنه يبطئ ويبقي ، وأنظر إلى اﻷمام دون استعجال ، وأعرف أنني لست ما كنت ، ولا ما أرادوه لي، وأنظر اﻵن إلى ما صرت بلا اعتذار.

 عبد الحكيم كشاد

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

الحربُ والسلام

جمعة بوكليب زايد…ناقص العنوان أعلاه لا علاقة مباشرة له برواية الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي، …