بعد الخمسين خرجت بفكرة قديمة عن نفسي ، كانت تقنعني أن الاستمرار يعني اﻹضافة ، بينما الحقيقة أن ما حدث هو نزع بطيء هادئ ودقيق لكل ما لم يكن لي أصلا ، وبقيت واقفا أمام عمري بلا رتوش ولا زينة ، الجسد الذي ظننته يوما أداة طيعه ، كشف أخيرا عن صراحته الكاملة ، توقف عن مجاملتي ، لكنه لم يخذلني ، وكل وجع فيه صار جملة تقول ماتجاهلته طويلا حين كنت أؤجل اﻹصغاء وأسفي . الرغبة لم تنطفئ لكنها لم تعد تركض نحوي ، صارت معرفة بطيئة تختبر المسافة قبل الاقتراب ، ﻷن الشغف اﻷعمى كان في كثير من اﻷحيان قفزا على الشجاعة ، ولكن الاقتراب اﻵن مسؤولية لا أقبلها إلا حين تكون آمنة . فأنا حين أقف أمام المرآة لا أساومها ، و لا أطلب منها أن تجاملني ، أراها تعيد إلي تلك المرأة التي ارتمت في حضني بكل ذكرياتها ، وما تعج من حياة ، فأعادت ارتجافي القديم بما يشبه المعجزة . كان ليس سهلا النجاة من ملامحها ، رجعت أنظر إلى المرآة ﻷ مما حدث فالخطوط التي ارتسمت على ملامحي وقتها لم تسجل في كتاب الخسارة ، واتضح لي أن ما اشتاق إليه ليس الشباب إنما ذلك الشغف الجميل الذي كان يحميني من ثقل الفهم ، اﻷماكن لم تكن ولن تكون رحيمة بي ﻷني أنا من أعطيتها روح الحياة ، وسأبقى الملم أماكن غيرها ، ما فقدته في هذا العمر لم يكن بشرا أو تجارب أصبحت ذكريات ، بقدر ما كان احتمالات طرق لم أعد أرغب في السير فيها ، ربما نسخا مني كانت تعيش في عيون اﻵخرين، وتحتاج الاعتراف الخارجي كي تشعر أنها موجودة ، بينما صرت اﻵن أسكن جلدي وحدي ، وهذا أصعب وأكثر صدقا . الدفء لم يختف لكنه لم يعد ينتظرني خارج نفسي ، صار نارا صغيرة أحرسها بعناية لا أسمح للريح أن تساومني باسم الحب ، ولا أمد قلبي نحو ما لا يعرف كيف يبقى حين يبرد الطريق . الذاكرة لم تعد مفتوحة هي مساحة أختار فيها ما يبقى ، وما أتركه للنسيان الغفران صار مهارة بقاء تخفيفا ليد تعبث من حمل ما لايعيد الحياة . وأنني أشبه اﻵن وجودي في غرفة صارت أوسع ﻷني أخيرا أغلقت نوافذ كنت أفتحها خوفا من الوحدة ، والوحدة نفسها لم تعد تهديدا تجلس معي بصمت ، وتتركني أفكر دون أن تطالبني بتفسير . اليوم في منتصف العمر أنظر إلى الخلف دون ندم ، الجسد حين يتحول بلا خسارة في القلب لا يؤلم ولكنه يبطئ ويبقي ، وأنظر إلى اﻷمام دون استعجال ، وأعرف أنني لست ما كنت ، ولا ما أرادوه لي، وأنظر اﻵن إلى ما صرت بلا اعتذار.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية