منصة الصباح
متلازمة الحياة المثالية.. كيف تصنع "السوشيال ميديا" شعورًا دائمًا بالنقص؟

متلازمة الحياة المثالية.. كيف تصنع “السوشيال ميديا” شعورًا دائمًا بالنقص؟

إعداد: تقوى البوسيفي

لم تعُدْ منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة لعرض اللحظات السعيدة، بل تحولت إلى مسرح ضخم تُعرض عليه “الحياة المثالية” بكل تفاصيلها: هدايا فاخرة في مناسبات رومانسية، حياة زوجية تبدو بلا خلافات، سفر دائم إلى وجهات حالمة، وثراء يُعرض في صور أنيقة، ومقاطع قصيرة خاطفة للأنفاس..

هذه المشاهد المتكررة لا تُظهر التعب، ولا الخلافات، ولا الضغوط المالية، ولا القلق الذي قد يختبئ خلف “الكاميرا”.. لكنها، رغم ذلك، تُزرع في وعي المتلقِّي كأنها المعيار الطبيعي للحياة..

ومع التكرار اليومي، تبدأ المقارنة الصامتة:

لماذا لا أحصل على الهدايا نفسها؟

لماذا حياتي الزوجية ليست مثالية كما في الصور؟

لماذا لا أسافر كثيرًا؟

لماذا لا أملك هذا المستوى من الرفاهية؟

هنا يتشكَّل ما يمكن تسميته بـ“متلازمة الحياة المثالية”، حيث يتحول التصفح من تسلية إلى اختبار دائم لقيمتنا الذاتية..

الأخصائية النفسية “شهد عون”، توضح أن المشكلة لا تكمن في المحتوى بحد ذاته، بل في استقبالنا له دون وعي، وتعاملنا معه كواقع كامل لا كجزء مُنتقَى بعناية..

المقارنة.. بداية الشعور بالنقص

بحسب “عون”، يتعرض الشباب يوميًا لنُسخ “مفلترة” من حياة الآخرين، فيظنون أنهم يشاهدون الصورة الكاملة.. ومع تكرار المقارنة، يبدأ الفرد في ربط قيمته بما ينقصه لا بما يملكه، فيتسلل شعور دائم بعدم الكفاية..

وتُحذّر من أن هذه الحالة، إذا استمرت، قد تؤدي إلى القلق والحزن، بل وحتى الاكتئاب، خاصة عندما يتأثر تقدير الذات بشكل مباشر..

المراهقون يُعدّون الأكثر هشاشة في هذا السياق، لأن هويتهم ما تزال قيد التشكّل، ولأن حاجتهم للقبول والانتماء أعلى من غيرهم..

متلازمة الحياة المثالية.. كيف تصنع "السوشيال ميديا" شعورًا دائمًا بالنقص؟

صورة الجسد والنجاح المزيف..

ولا تقف التأثيرات عند حدود الرفاهية أو العلاقات، بل تمتد إلى شكل الجسد ومعايير الجمال..

الفلاتر الرقمية تخلق صورة غير واقعية، تجعل البعض يشعر بأن مظهره “أقل” من المطلوب..
ومع كثرة التعرض لأجسام مثالية، قد يتراجع تقدير الذات وتتكون صورة جسدية مضطربة..

أما النجاح، فأصبح في الفضاء الرقمي يُختزل في المال، والسفر، والمظهر، لأنها عناصر قابلة للتصوير والعرض بسهولة.. بينما النجاح الحقيقي – المبني على الاستقرار، والتطور الشخصي، والإنجاز الهادئ – لا يحظى غالبًا بنفس البريق..

الأمهات المثاليات.. ضغط لا يُرى

تشير “عون” أيضًا، إلى أن محتوى “الأم المثالية” يفرض ضغطًا نفسيًا صامتًا على كثير من النساء.. فمشاهدة أم منظمة، وهادئة، ومبتسمة دائمًا قد تزرع شعورًا بالتقصير لدى أخريات، رغم أن الواقع أكثر تعقيدًا..

وتزداد الخطورة لدى من تعاني اكتئاب ما بعد الولادة، إذ قد يُعمّق هذا النوع من المقارنات شعورها بالوحدة والفشل، ويدفعها لإخفاء معاناتها خوفًا من الأحكام..

كيف نحمي أنفسنا؟

العلامة الأولى لدخول المقارنة المؤذية، وفق “عون”، هي أن يخرج الشخص من التصفح بشعور بالحزن أو الغيرة أو النقص بدل الإلهام..
هنا يجب التوقف وإعادة النظر في طريقة الاستهلاك..

وتؤكد على دور الأسرة في تعزيز الثقة بالنفس، وفتح الحوار مع الأبناء، وتذكيرهم بأن ما يُعرض على الشاشات ليس الحقيقة الكاملة..
كما تُشدّد على ضرورة بناء تقدير ذات قائم على القيم والمهارات والأثر الإنساني، لا على عدد المتابعين أو الصور اللامعة..

في عالم يُتقن صناعة المشاهد المثالية، تذكّر أن الصورة لا تحكي كل القصة، وأن كل حياة – مهما بدت عادية – تحمل ما لا يُرى من صبر وكفاح وتفاصيل إنسانية حقيقية..

النصيحة الأهم: خفّف من المقارنة، وقرّب المسافة بينك وبين واقعك.. إسأل نفسك: هل أعيش لأكون سعيدًا، أم لأبدو سعيدًا؟

فالحياة الحقيقية تُعاش بعمق، لا تُقاس بفلتر..

شاهد أيضاً

لماذا تتفاقم إضرابات الجهاز الهضمي خلال شهر رمضان ؟

لماذا تتفاقم إضرابات الجهاز الهضمي خلال شهر رمضان ؟

إعداد: تقوى البوسيفي مع حلول شهر رمضان، تتبدل العادات اليومية بشكل كبير؛ ساعات صيام طويلة …