ليبيا كدولة ليست حالة عجز ولا استثناء قسري ، هي دولة قليلة السكان واسعة الجغرافيا وفيرة الموارد، شابة ديموغرافيًا وعمريًا، إذ تزيد نسبة الشباب عن 65% من السكان.
وهي دولة ريعية يتقاضى أغلب مواطنيها مرتبات من الخزينة العامة بل إن كثيرين يجمعون بين العام والخاص في مختلف المهن والحرف والتجارة، بما في ذلك القطاع الصحي، في صورة صارخة من تضارب المصالح الذي يُفترض أن يُحارب لا أن يُشرعن. في دولة بهذه الخصائص لا يوجد مبرر واحد علمي أو اقتصادي أو أخلاقي يسمح بتحويل التعليم الطبي والتدريب السريري إلى سوق خاص أو اقتصاد غنائيمي طفيلي.
ليبيا ليست دولة فقيرة ولا دولة مكتظة سكانيًا، ولا دولة عاجزة عن الاستثمار في الإنسان. بل على العكس هي من الدول القليلة التي تمتلك القدرة المالية والسيادية على بناء أكبر وأحدث المستشفيات وتجهيزها بأحدث التقنيات الطبية والرقمية والروبوتية، وعلى إنشاء صروح للتعليم الطبي والتدريب السريري تضاهي أعرق الجامعات والمستشفيات الجامعية في العالم المتقدم.
ليبيا قادرة دون مبالغة على استجلاب أمهر الأطباء وأكبر الأساتذة في التعليم الطبي والتدريب السريري، وعلى عقد اتفاقيات توأمة وتعاون حقيقية مع الجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية الأولى عالميًا. وهي قادرة كذلك على ابتعاث الأعداد التي تحتاجها البلاد لدراسة الطب والتخصصات الطبية الدقيقة في أفضل جامعات العالم، كما فعلت دول أقل منها ثراءً وإمكانات.
فإذا كانت الدولة قادرة على ذلك كله، فما الحاجة إذن إلى التعليم الطبي الخاص؟ هل هو لعجز مالي؟ أم لعجز إداري وحوكمي؟ وإن كان العجز إداريًا فهل يُعالَج بتسليم أخطر ملف سيادي صناعة الطبيب لقوانين السوق والربح والبيع والشراء؟ التعليم الطبي والتدريب السريري ليسا عملية تعليمية سوقية ولا مشروع استثمار، ولا تجارة شهادات، ولا فرصة مستقبلية تُسوق للناس. هما عملية معقدة ودقيقة وطويلة النفس، لها شروط صارمة ومتطلبات قاسية، وضوابط أخلاقية ومهنية لا تقبل التفاوض.
التعليم الطبي لا يخضع لقوانين العرض والطلب لأن مخرجه ليس سلعة، بل طبيبًا والطبيب يتعامل مع صحة الناس وحياتهم لا مع منتج استهلاكي.
كل الأفكار التي تُروج لتبرير التعليم الطبي الخاص في ليبيا ليست بريئة بل تدافع عنها مصالح واضحة بعيدة تماما عن مصلحة الوطن ومستقبل الأجيال وصحة المجتمع. وهي أفكار تُخفي فشل الدولة في التخطيط خلف خطاب الفرصة والاستثمار والمرونة بينما الحقيقة أنها تُحول الطب إلى اقتصاد طفيلي لا يعيش إلا على تضخيم المرض وتوسيع الفجوات الطبقية الصحية.
ليبيا في واقعها الحقيقي ليست بحاجة إلى زيادة كليات الطب بل إلى تقليص عددها إلى النصف، ووقف النزيف الكمي الذي يُنتج أعدادًا بلا جودة. وهي بحاجة عاجلة إلى أن تبادر الدولة ببناء كليات طب جديدة ببنية تحتية تعليمية حديثة وعصرية، تحقق كل متطلبات التعليم الطبي الحديث ، تعليم رقمي آلي تفاعلي نقدي تربوي فلسفي فني معرفي يربط العلوم الأساسية بالعلوم الإكلينيكية والبحثية والسلوكية، ويصنع طبيبًا كامل التكوين،
لا حافظًا للمعلومة فقط. طبيبًا ماهرًا علمًا وفنًا، وقادرًا على التواصل، ومتمكنًا من أدوات العصر، واعيًا بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه إنساني أخلاقي يؤمن برسالة الطب وقداسة المهنة، ويدرك حساسية ودقة وجودة عمله، لأن ما بين يديه ليس وظيفة بل صحة وحياة الناس.
إن صناعة الطبيب مسؤولية دولة وليس صفقة سوق. ومن يتهاون في التعليم الطبي يوقّع عمليًا على مستقبل صحي هش مهما بلغت ثروته.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية