الأورام السرطانية في ليبيا لم تعد مرض خطير يُصيب أجساد متفرقة ، بل تحولت إلى جرح وطني مفتوح وإلى كابوس يهبط فوق كل بيت وكل أسرة وهاجسه يومي يطارد الناس في يقظتهم ومنامهم ، وللأسف الدولة بكل مؤسساتها تظهر عاجزة أمام ملف أصبح الأكثر تعقيدا من أن يُدار بعقلية التجزئة أو الحلول المؤقتة والتلفيقية فلا أدوية ولا مستلزمات ولا مختبرات متخصصة ، ولا توجد إمكانات تشخيصية حديثة ولا مسح ذري ، ولا التصوير الجزيئي، ولا الفحوصات الجينية ، وكأن ليبيا تقف خارج الزمن الطبي تراقب العالم يتقدم بينما تتقهقر إلى الخلف بلا مقاومة فلا برامج للكشف المبكر ولا سجلات وطنية ولا خرائط وبائية ولا منصات جينية تربط المرض بمناطق الانتشار ، ولا حتى تعريف وطني موحد للأورام ، والأخطر من كل ذلك أنّ الأورام ليست مرض واحد بل مئات الأنواع ، تختلف في بيولوجيتها ، وسرعة انتشارها ، واستجابتها للعلاج ، وتصيب كل أعضاء الجسد من الرأس إلى القدم ، وهذا التنوع الهائل يحتاج إلى قدرات متقدمة ، وإلى منظومة تشخيصية متعددة المستويات ، وإلى تخصصات دقيقة في الطب والجراحة والتمريض والفنيين ، وإلى فرق مدربة فعليا في مراكز عالمية تحمل شهادات تميز حقيقية ، وليس شهادات ورقية تُمنح في أسواق التعليم الطبي الرديء ، ويحتاج إلى استشاريين واخصائيين وأطباء ماهرين في طب الأورام وجراحات الأورام ، والعلاج الإشعاعي ، وألعلاج الكيميائي والهرموني والموجه والمناعي والنفسي والتأهيلي والتلطيفي ، ولكل الأعمار والفئات تخصصاتهم المتميزة علما وخبرة وكفاءة ، وممرضي أورام مدربين في مدارس طبية رائدة ، وفنيين قادرين على تشغيل أجهزة دقيقة تتعامل مع حياة المرضى في أدق مراحلها ، ويحتاج النظام الصحي إلى توأمة حقيقية مع المستشفيات الجامعية العالمية المتقدمة في مجال الأورام ، وليس أسفار بروتوكولية ، بل نقل حقيقي للعلم والخبرة والممارسة ، وإعادة هندسة للمناهج وتدريب مستمر ، ومسارات زمالة حقيقية من دول متقدمة علميا وطبيا وشهادات تخصص وتميز معترف بها دوليا ، وفي المقابل للأسف يزداد العبث في الداخل وتحول القدر الأكبر من العلاج إلى القطاع الخاص الذي يفتقر إلى الإمكانات والمعايير ، وتحول المرض إلى رأسمال تجاري ، والألم إلى فرصة للاستثمار ، وتحول المريض الليبي إلى غنيمة يتنازعها تجار الصحة والأدوية في الداخل والخارج ، وسوق الدواء يغرق بالمهرب والمغشوش والمزور ، ومسار التوريد تحكمه شبكات المصالح والوسطاء ، حتى صار المريض لا يعرف إن كانت جرعته تحمل شفاءً أم سم يتسلل إلى جسده ، ولذلك يجب أن يكون توريد أدوية الأورام حصرا على الدولة وبشكل مباشر من الشركات المصنعة الأصلية ، دون وسيط واحد ، فالدولة لا تحتاج إلى وسطاء كي تحمي حياة شعبها ، وضرورة تغليظ العقوبات على أي جهة أو فرد يعبث بهذا الملف ، ويجب أن يصل إلى أقسى درجات الردع ، لأن العبث هنا ليس فساد مالي بل جريمة قتل صحي مكتملة الأركان ، ومع ذلك كله تُجبر مئات الأسر على السفر إلى الخارج يدفعون من أعمارهم ومدخراتهم ما لا يُحتمل يبحثون عن علاج لا يستطيعون تأمينه ، فيستنزفون ما بقي لهم من أمل ، ويعود جزء منهم بلا علاج أو يعودون للأسف محملين في صناديق صامتة ، ولا وجود للرعاية التلطيفية لا بالمستشفيات ولا بالمنازل ولا توجد مراكز تلطيفية متخصصة ، وهذا الحق الأخير للإنسان في نهاية الطريق ، ولا دعم يقدم للعائلات التي تنهار تحت ثقل العبء المرضي والمالي والنفسي ، وفي الخلفية يتضاعف الخطر من التلوث البيئي والتدهور الغذائي ، واقتصاد غير صحي يستهلك أجساد المواطنين ، وفوضى زراعية وصناعية تُنتج أسباب الأورام بلا توقف ، والعالم من حولنا يتقدم بخطى سريعة نحو طب دقيق وفحوصات جينية استباقية ، وسجلات إلكترونية متكاملة ، ومراكز وطنية قوية ، وشفافية صارمة ، وطب وقائي عالي الكفاءة وعلاج متقدم ومتابعة ملاصقة ، بينما ليبيا لا تزال عالقة في مرحلة ما قبل الطب ، إن ملف الأورام يجب أن يُعاد بالكامل إلى الدولة ، احتكار وتشخيص وعلاج ووقاية وحماية ، مسؤولية النظام الصحي الموحد والخدمات الصحية الاستباقية والتنبؤية والوقائية والعلاجية والتأهيلية بكل مستويات النظام الصحي ، وليس من خلال أجسام موازية ، وإلا فإن هذه الأزمة ستتحول إلى كارثة وطنية مستعصية يتساقط فيها الناس واحدا تلو الآخر بين ضعف النظام الصحي وجشع السوق ، وانعدام الرؤية ، وإن لم يحدث الإصلاح اليوم وليس غدا فإن هذا الملف لن يتدهور فقط بل سيجر معه مستقبل الصحة في ليبيا .
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية