في قلب المدينة القديمة بطرابلس، وفي خضم اضطرابات مطلع الثلاثينيات، ولد طفل سيصبح لاحقا حارساً لواحدٍ من أسمى الاعمال الروحية في ليبيا.
لم يكن رحيل الشيخ الأمين محمد قنيوة في يوليو 2013 مجرد غياب لقارئ ومعلم للتجويد، بل كان طياً لصفحة من الصفحات الأكثر نقاءً في تاريخ الترتيل الليبي، وإغلاقاً لمدرسةٍ نسجت علاقة الليبيين بكتاب الله عبر الأثير.
بدأت الرحلة عام 1932، حين نذر الوالد ابنه لحمل الأمانة، وبحلول عام 1941، كان الصبي قد أتم حفظ القرآن، لتبدأ بعدها رحلة “الصقل” التجويدي. وحين شردت الحرب العالمية الثانية العائلات الطرابلسية، لجأ قنيوة إلى مدينة مسلاتة، حيث احتضنه “الجامع الكبير” وجامع “المجابرة”. هناك، وتحت إشراف الشيخ الهادي، لم يكن الشيخ يتعلم الحروف فحسب، بل كان يتعلم كيف يمنحها حياةً وصوتاً.
العودة إلى طرابلس عام 1945 كانت إيذاناً ببدء مرحلة الاحتراف، في كلية “أحمد باشا”، وتتلمذاً على يد كبار الشيوخ مثل مختار حورية ومحمد المصراتي وعلي الغرياني، برز قنيوة كطالبٍ استثنائي. لم يكتفِ بختمة واحدة، بل عرض القرآن على شيخه “بأربعة أقلام”، وهو إنجازٌ توجّه أهالي المدينة بمسيرة مهيبة، حيث اصطف الطلبة ينشدون المدائح حتى عتبة بيته، في مشهدٍ لا يزال يذكره كبار السن كواحدٍ من أجمل لحظات الوفاء للعلم.
لم يتوقف طموح الشيخ عند التلقي، فكان من الرواد المؤسسين لإذاعة القرآن الكريم، حيث سجل دروساً أصبحت مرجعاً للأجيال. وبين جدران مدرسة “مولاي محمد” ومسجد “أبو منجل”، تخرجت على يديه أفواج من القراء. وتخطت سمعته الحدود المحلية ليترأس لجنة التحكيم العالمية للتجويد في ماليزيا، ممثلاً لليبيا في كبرى المحافل الدولية.
اليوم، وبينما يستذكر الليبيون ذلك الصوت الرخيم، يدركون أن الشيخ الأمين قنيوة لم يرحل تماماً؛ فصوته المطبوع في ذاكرة الإذاعة، وتلاميذه المنتشرون في المساجد، هم “الصدقة الجارية” لمسيرة بدأت بحلم والد وانتهت بلقب “شيخ القراء”.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية