مبكرا أدرك “إدغار آلان بو” أن اﻹنسان يعرف من خلال لحظات اختلاله ، فالجنون عنده نافذة على الحقيقة ، في كتاب “القلب الواشي” لا يسرد ” بو” الجنون بقدر ما يكون راويا له ، ليقودنا إلى تلك المنطقة الغامضة بين العقل والوهم ، حيث يتكشف الوعي اﻹنساني في أكثر صوره هشاشة وصدقا . ولم يكن الموت في عالم ” بو ” خصما بقدر ماكان رفيقا مألوفا في قصيدته ” الغراب ” يحضر الموت على شكل طائر أسود ، يكرر الكلمة التي تلخص الوجود كله ” لن يعود أبدا ” إنها نبوءة الشاعر الذي عرف أن كل حب هو مؤجل ، وكل جمال يحمل في داخله بذرة الفناء . لهذا كان “بو” يرى في الجمال أقصى درجات الحزن ، وفي الحزن أجمل أشكال الجمال . الموت في أدبه حالة تأملية يختبر فيها اﻹنسان حدوده ، ويتعرف على نفسه من خلال العدم ، وفي هذا العدم تحديدا يقول ” بو ” ولد الجمال ، “بو” لم يكن يبحث عن اﻷمل بقدر ما كان يبحث عن الصدق ، وهو حين يكتب عن الرعب لم يكن غايته الخوف ﻷن الرعب الحقيقي لديه ليس في الظلام بل في داخل اﻹنسان نفسه الذي يهرب من ظله . هكذا صنع “بو “من أدبه فلسفة كاملة في التناقض ، الحياة التي ترى من نافذة الموت ، والعقل الذي يتجلى عبر الجنون والجمال الذي يلمع على حافة الفناء . ولهذا السبب أيضا من يقرأ إدغار اﻵن بو لا يخرج منه كما دخل . يخرج وفيه شيء من صدى الغراب ، من صمت بيت أشر ، ومن جنون جميل يذكره أنه مازال حيا . إدغار اﻵن بو يعيش في المسافة الضيقة بين الحلم والكابوس ، بين الوعي والهاوية ، الموت عنده مرآة للكائن اﻹنساني وليس النهاية ، ذلك الكائن الذي يرى ظله في الظلام أكثر مما يراه في النور ، في قصصه وقصائده لم يتعامل ” بو “مع الرعب كموضوع خارجي إنما كحالة داخلية وصوت ينطق من أعماق النفس ، فيتحول الخوف إلى لغة فنية دقيقة .
اليوم وبعد أكثر من قرن و نصف على رحيله ، لايزال أثر آلان ” بو” في قلب اﻷدب الحديث ، عبر تلك القفزة النوعية التي احدثها أدبه من كاتب غامض إلى جوهر فلسفي لفكرة الرعب النفسي التي باتت محور السرد المعاصر . حاول كل كاتب أن يفك تلك البقعة المجهولة داخل ذلك الإنسان من كافكا إلى موريسون ومن ستيفن كينغ إلى بول أوستر وهو الطريق الذي عبده “بو” حين جعل الخوف مرآة للوعي ، وقد أدرك أن الرعب الحقيقي لا يأتي من اﻷشباح والمقابر بل من هشاشة العقل تلك اللحظة التي يلتقي فيها اﻹنسان بظله ولا يعرف أيهما الحقيقي . في هذا التماس بين الوعي والجنون ، بين الحلم واليقظة ، ولدت حداثة السرد كلها “بو” لم يكتب عن الموت وحسب إنما عن فكرة اﻹدراك ذاته عن الكيفية التي يرى بها اﻹنسان نفسه حين يفقد يقينه ، لذلك يبدو “بو” اليوم أقرب إلى الفلاسفة منه إلى الكتاب فالكشف لا الكتابة كانت غاية بو ليعيد للإنسان وعيه المفقود في زحام العالم ، نقرأه اليوم نشعر أنه لا ينتمي لزمن بذاته ، ربما لهذا سيظل بو حاضرا مدام هناك من يجرؤ أن يكتب عن الظر إلى داخله ويكتب عن الظلام كجزء من النور ويمنحنا شكلا جميلا ، ويخلصنا من خوفنا ، وان الكتابة فهم عميق لتلك العتمة التي نحملها جميعا .
عبدالحكيم كشاد
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية