باختصار
عند تصفحي لمنصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، لاحظت أن عدداً من الأطباء الليبيين في تخصصات مختلفة، قد اختاروا أن يحولوا حضورهم الرقمي إلى مساحة لعرض حياتهم الخاصة بصورة لا تليق بمكانة المهنة ولا بثقة المجتمع.
في السنوات الأخيرة، ومع تمدد وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدق تفاصيل الحياة، برزت ظاهرة مقلقة داخل الوسط الطبي الليبي، تستدعي الوقوف عندها بقدر عال من المسؤولية والنقد…. أطباء ودكاترة في تخصصات مختلفة، يفترض فيهم أن يكونوا نموذجاً للرصانة والوقار المهني، اختاروا أن يحولوا حساباتهم إلى منصات لعرض حياتهم الخاصة بطريقة أقرب إلى الابتذال منها إلى التواصل الإنساني الطبيعي.
لم يعد الأمر يقتصر على مشاركة إنجاز علمي أو تقديم نصيحة وتوعية صحية، بل تجاوز ذلك إلى نشر صور الأطفال، والهدايا، ومشاهد التمارين الرياضية داخل منازلهم، واستعراض الهدايا الذهبية للزوجات، والسيارات الفخمة، ومقاطع مصورة تتعمد إظهار الفخامة والكرم والجود في شكل استعراضي مخجل، لا يخلو من فخر طبقي واستفزاز اجتماعي واضح.
المشكلة هنا ليست في امتلاك الطبيب لحياة خاصة، ولا في حقه بالرفاه أو النجاح المادي، فذلك أمر مشروع….. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في تحويل هذه الخصوصية إلى محتوى دعائي، يستغل مهنياً، ويقدم للناس بوصفه دليل على التفوق الطبي أو المكانة العلمية، وكأن الكفاءة تقاس بنوع السيارة أو قيمة الهدية، لا بالعلم والخبرة، وأخلاقيات المهنة.
ويزداد المشهد ابتذالاً حين نرى بعضهم يتعمد تقديم نفسه بوصفه نجماً أو وسيماً أو يشبه الفنانين، مستنسخاً خطاب المشاهير، ومقاييس الشهرة، ولغة الإعجاب السطحي، وكأن الطبيب لم يعد صاحب رسالة، بل منتجاً بصرياً يبحث عن الاعجابات والتعليقات، ويقيس حضوره بعدد المتابعين لا بعدد الأرواح التي خدمها بصدق.
وتتضاعف الخطورة حين يتعلق الأمر ببعض الطبيبات، خصوصا في تخصصات حساسة كطب النساء والتوليد، حيث تنشر صور المواليد وأولياء أمورهم في أوضاع لا تليق لا بقدسية المهنة ولا بخصوصية العائلات.
صور لرجال يحملون أطفالهم حديثي الولادة، تلتقط وتنشر بلا وعي بالسياق الثقافي والاجتماعي الليبي، وبلا احترام كاف لحدود الحياء والخصوصية، وكأننا في مجتمع افتراضي منزوع القيم، لا في مجتمع له خصوصيته وقيمه المحافظة.
إن الطبيب بحكم موقعه، ليس شخصاً عادياً على منصات التواصل، بل هو صاحب سلطة معرفية وأخلاقية، وكلمته وصورته تؤثر، سلباً أو إيجاباً، وحين ينزلق هذا الموقع إلى الاستعراض، يتحول الطب من رسالة إنسانية إلى علامة تجارية، ومن مهنة سامية إلى محتوى استهلاكي هابط.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يعيد تعريف النجاح في أذهان الشباب، فيربط الطب بالمظاهر لا بالعلم، وبالشهرة لا بالخدمة، وبالثراء لا بالأمانة….. وهنا تكمن الخسارة الكبرى: خسارة الثقة، وهي رأس مال أي مهنة محترمة.
لم تعد الحاجة اليوم مقتصرة على الوعي المهني والأخلاقي وحده، بل بات من الضروري التفكير الجاد في إقرار قانون مهني واضح وصريح، أو ميثاق سلوك ملزم، يحدد حدود النشر والتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي، ويحمي المهنة من الانزلاق إلى الابتذال والاستعراض، ويصون خصوصية المرضى وكرامة الطبيب في آن واحد.
كما أن علينا أن نسأل عن دور نقابة الأطباء؟ وأين تقف من هذه الممارسات؟ وما مسؤوليتها في ضبط السلوك المهني لأعضائها، ومساءلة من يسيء لصورة الطب ويحوله إلى عرض أزياء أو منصة ترويج ذاتي؟ فالطب ليس شهرة ولا فخامة مصورة، بل مهنة تمس الإنسان في أضعف لحظاته، وتستحق من يمارسها أن يصون كرامتها قبل أن يصون صورته أمام الكاميرا.
د. علي عاشور
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية