حاورتها …حنان علي كابو
تأخذنا الباحثة والكاتبة أسماء الأسطى في رحلة عبر عقود من الأدب النسوي والمنشور في الصحافة الليبية. بأسلوب واقعي وصادق، تروي الأسطى التحديات الكبيرة التي واجهتها في اقتفاء أثر النصوص المبعثرة بين صحف ومجلات ناقصة ومتهالكة، نصوص تجاهلها الباحثون، وجهود لم توثق بعد لكاتبات ليبيات كن معارضات او عشن خارج البلاد.
هذا المشروع ليس توثيقا فحسب، بل هو جهد فردي للكشف عنه ولإنقاذ الذاكرة الثقافية من الضياع، أملا في منح كل منجز حقه،وتستوفي التجربة النسوية تقييمها الحق للأجيال القادمة.
بين كلماتها، يتحوّل كل نتاج إبداعي من كاتبة ليبية هي ك «قرنفلة» نمت في صحراء الترفاس، بوصفها رمزًا لبيئة قاسية تجاه نص إبداعي للمرأة الليبية وصمودها للبوح طوال عقود رغم الصعاب.
مفتاحا للدراسات الجادة
. اشتغلتِ على توثيق النتاج الأدبي النسوي والصحافة الليبية عبر عقود طويلة، هل كنتِ تنقذين الذاكرة الثقافية من التحيّز؟
نعم، اشتغلت على توثيق النتاج الليبي. عموماً، وكانت لي الريادة في توثيق القصة في ليبيا المنشور عبر مجلة” الفصول الأربعة ” خلال عقد الثمانينيات. كما وثقت النتاج الفكري للأطفال والناشئة في ليبيا (1921_2005) الصادر عن مجلس الثقافة العام عام 2006. فيما بعد، جاء كتابي” كاتبات ليبيات” حيث وثقت بدايات نتاج الكاتبة الليبية الإبداعي مرفقا ببليوغرافية لحوالي 112 عنوانا.

أما (الصحافة الليبية 1866_2005) فهو مشروعي الاكاديمي لنيل الماجستير. وأعده (كتاب العمر) فقد بذلت فيه جهداً عظيماً، وكنت أعمل على تحديثه طوال الاعوام الماضية بإضافة كل ما صدر من عناوين خلال الفترة من 2006 حتى 2025 بغية اصداره كاملا ومستوفيا في طبعته الثانية ان شاءالله لقد تضاعفت العناوين لتصل إلى أكثر من 2000 من عناوين المطبوعات الدورية توثيقا للصحافة الليبية ولتكن مفتاحا للدراسات الجادة. هذا الواجب كان ينبغي أن يتحقق عبر المؤسسة الرسمية، ولكن بلادنا ملأى بالكثير من العثرات ومن غياب المشاريع المؤسسة الواجبة النفاذ. مشاريع حقيقية ينبغي لها توثيق النتاج الفكري في ليبيا وخارجها لذلك لابد أن نقوم بما لم يستطع الآخرون القيام به طوال عقود من الإهمال.
بحث في النتاج المبعثر
. ما أصعب ما واجهكِ خلال تتبّع نصوص كُتبت في الهامش، أو نُشرت في صحف توقفت عن الصدور، أو وُقّعت بأسماء مستعارة؟
ليس هناك أصعب أو أسهل، فالعمل لمن يدرك أهميته وتنفيذه صعب للغاية ويتطلب إيمانا وصبرا وجلدا عظيما. لأن البحث في الذاكرة أو النتاج المبعثر الذي لا تتوافر مادته الأصلية كاملة في أراشيف تفتقد للأدوات المعنية مثل الفهارس يمثل تحديًا كبيرًا. فأنا أبحث بين أطنان من مجلدات الصحف والمجلات المتهالك الملأى بالغبار ومن تنسيق وفرز للأعداد المتناثرة الناقصة دوما. فالعمل مضنٍ للغاية. والبحث عن النساء اللاتي كتبن بأسماء مستعارة، بعد مرور كل هذا الزمن، ما حفزني للبحث عنهن وحفظ حقهن.
أصوات تسمع محليا
. هل شعرت أثناء بحثك وجمعك أن هناك فعل إقصاء غير معلن للمرأة الكاتبة، أم نتيجة إهمال ثقافي عام؟
لا، هذا غير صحيح. الإقصاء كان يشمل الكل، الكاتب أو الأديب، رجل كان أم امرأة. المشكلة أن نتاجنا غالبا هو للاستهلاك المحلي الضيق وفق مكان نشره، مع غياب عن المشاركات في النشاط العربي و العالمي. أصواتنا تُسمع محليا ولا تشمل الجميع ولا تمثلها الاجيال فلا يصل إلى أبعد من أماكنها التي نُشرت فيها مع غياب الكيان المادي للغالبية عن النشاطات المحلية التي تعهد غالبا لشخص واحد! ينتقي ممن حوله مكررا لهم في كل فعالية. أيضا هناك غياب ومحدودية مقيتة في القراءات الجدية، الأصيلة المتوفية للتجربة، أو الناقدة الأكاديمية لكل ما يستحق أن يُسلط الضوء على كل التجارب. ينبغي العمل الجاد عليه كاملا حتى نرضَ عن النتائج المنشورة للكتاب الليبيين خلال هذه العقود أو أكثر من سبعين عامًا.

غياب التوثيق
_. إلى أي حد يمكن للباحث أن يكون محايداً وهو يوثق تجربة كتبت أصلاً من موقع المعاناة أو المعارضة السياسية؟
تواجهنا مشكلة توثيق ما كان يصدر خارج البلاد ومن نتاج المعارضة الليبية سواء كانت دوريات أو نشاط أو مقالات كتبت دون توقيع أو بيانات ببليوغرافية تخلو منها هذه الشواهد. حيث لا يتوفر اسم من يرأس تحريرها أو يشارك فيها ولا كيفية صدورها وتاريخها. كل ذلك وغيره غالباً لا يكون موثقاً على الغلاف لطبيعة الإصدار شبه السري. هذه المادة ما لم تجمع الآن وتوثق وتحفظ، ستكون مفقودة للأجيال القادمة وستغيب عن الدراسات الجادة والأكاديمية. أنادي بضرورة تجميع كل ما نشر خارج البلاد في أقرب وقت سواء للمعارضة الليبية أو ما كتب عن نتاجنا او المترجم الي اللغات الاخرى من كل دول العالم. يجب أن نسعى لحفظ أصوله ونماذج منه مؤلفا و مترجماً من مصادره الحقيقية حتى نعطي لكل منجز حقه.
_ اخترتِ لبحثك عنوانًا شعريًا مثل «قرنفلات في صحراء الترفاس»، هل كان العنوان محاولة شعرية لإنصاف تجربة قاسية، أم توصيفًا دقيقًا لمناخ الكتابة النسوية والصحفية الليبية؟
الكاتبة الليبية نبتت ونمت وقاومت الظروف الخانقة والصعبة والجافة في مجتمع لا يقبل بالأديب الرجل كاتباً، فما بالك بالمرأة؟ فكل امرأة عبرت بقلمه كتابة، وكل من نجحت ونشرت كتابًا، فهي بمثابة (قرنفلة في صحراء الترفاس) .
حضور وفرادة
_. توقفتِ مطولًا عند تجارب رائدات مثل خديجة الجهمي، برأيك، لماذا لا تزال هذه التجارب حاضرة بقوة؟
الحقيقة أن ريادة الخطوة الأولى تمنح لمن يخطوها، يجب أن نقدر هذه المبادرة لأنه فعل مقدام ومستنير يفتح الطريق للآخرين.
ففي مجتمع مظلم ومغلق لا يرحب بالمبادرة، كان الدور الريادي كبيرًا ومهمًا وتحظرنا. هنا السيدة (خديجة الجهمي) التي كانت رائدة في المجال الإعلامي، وفي الصحافة النسائية، وكتابة القصص للأطفال، وتأليف الأغنيات العاطفية، وفي النصوص التمثيلية، فهي سيدة فريدة أثرت الحياة الثقافية في تلك المرحلة، وكان حضورها مشجعًا لكثير من النساء اللاتي سرن في الدرب الذي مهدته بقوتها وعزيمتها وقدرتها. وبالمناسبة، أعمل على استكمال الجزء الثاني هذا العمل الذي بدأته ولم أكمله، وكان ذلك جزءًا أولاً في مؤلفي (أنا خديجة الجهمى) الجزء الثاني اتمنى الإنتهاء منه قبل نهاية هذا العام.

غياب المؤسسة المحلية
_. عبّرتِ عن أسفك لغياب النصوص الليبية المميزة عن الجوائز العربية والدولية، هل المشكلة في النص، أم في آليات الترشيح، أم في غياب المؤسسة؟
الجوائز كانت عربية أو دولية أو عالمية. الحضور النسوي فيها هو جهد فردي لاتتبناه المؤسسة المعنية ولاتحتفي به كما يجب. النص الجميل أو الإبداعي لا تسعى كاتبته للوصول لما تستحقه من تقدير وتثمين واجب في غياب المؤسسة المحلية وجوائزها المنصفة. أمر محزن جدا. لماذا لا يكون لنا جائزة محلية؟ أو جوائز تُمنح كل عام؟ وهل هناك مشروع حقيقي لتقييم هذا النتاج؟ هذا أمر يحزن الجميع.
انقراض ارث المدينة
_. قدّمتِ مع شقيقتك نزيهة الطرابلسي كتابًا مشتركًا عن «الأمثال الطرابلسية». ما الذي جذبكِ إلى الاشتغال على المثل الشعبي بوصفه نصًا ثقافيًا موازيًا للأدب المكتوب؟ وهل يمكن اعتباره فعل إنقاذ للذاكرة الشفوية؟
نعم، عملنا على كتاب (الأمثال الطرابلسية) أنا وأختي نزيهة الأسطى، جهد مشترك. جمعنا فيه الأمثال التي سمعناها من والدينا ومحيطنا الاجتماعي في مدينة طرابلس، لقد خشينا أن يغيب هذا الإرث الخاص بالمدينة لذلك خشية انقراضه. جمعنا كل ما حفظناه في هذا الكتاب اللطيف الآن نستعد للطبعة الثانية بعد نفاد الطبعة الأولى المخصص ريعها بالكامل لتمنظمة حياة لدعم مرضى الأورام) . كما أعمل على نتاج يخص المدينة فقط، وهو ثاني يشبه قصيدة البيت الواحد يعرف بـ “البوقالة” انتهيت منه، تنقصه اللمسات الأخيرة، وأسأل الله التوفيق.

منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية