آمنة الهشيك
على الرغم من الدور الاقتصادي الذي تمثله منصة ‘تيك توك’ كمصدر دخل لبعض الأفراد، إلا أنه عند تعارض المصالح، تقتضي قواعد العدالة وحماية النظام العام، تقديم المصلحة العليا للمجتمع على أي مكسب شخصي؛ فسلامة النسيج المجتمعي والأخلاقي وحماية أجياله تعلو بطبيعتها على الاعتبارات الفردية..
وفي سياق متصل، لا تعد المعضلة الليبية سوى جزء من مشهد دولي أوسع، حيث فرضت دول عدة حظراً كاملاً أو جزئياً لدواعٍ أمنية واستخباراتية. وفي هذا الإطار، يُعد اقتراح البرلمان بالحظر الخيار الأفضل للتعامل مع معطيات المرحلة..
كيف استحوذ ‘تيك توك’ على عقول الشباب ولماذا بات حظره ضرورة حتمية لحماية الأمن المجتمعي؟
يتجاوز ‘تيك توك’ الترفيه البريء ليحبس المراهقين في فقاعة افتراضية تُعيد تشكيل وعيهم؛ إذ تدفعهم المقاطع السريعة إلى تشتت ذهني يقضي على تفكيرهم النقدي وتركيزهم العميق. ومع الاستنزاف العاطفي والمالي، ينعزل الشاب عن واقعه الأسري وتتراجع دافعيته الدراسية، ليُسَدَّ الطريق أمام القيمة الفكرية لصالح الابتذال والمحتوى الهابط ..
*والسؤال الأهم هو هل الخطر الحقيقي محصورٌ بالفعل في بضعة مقاطع خادشة، أم أن الانحدار والتجاوزات الأخلاقية ما هي إلا غطاء لاستغلال الشباب مالياً وتجارياً بطرق أشد خطورة؟ فما الذي يجري في كواليس الظل الرقمي؟*
ما غاب تماماً عن أذهان صانعي القرار هو التحول الخطير للمنصة من مساحة للترفيه العبثي إلى أكبر مغسلة أموال افتراضية في العصر الحديث، حيث تتجه شبكات الجريمة المنظمة نحو ما يُعرف بـ “وكالات التيك توك”، وهي كيانات خفية تدير آلاف الحسابات الوهمية والمستعارة. تضخ الأموال غير المشروعة لتُستخدم في إرسال هدايا افتراضية باهظة (كالأسد والحوت) لصانع محتوى لديه نسبة متابعين وهو في الواقع ليس سوى موظف يتقاضى فتات النسبة – لتقديم محتوى باهت طوال ساعات الليل، بينما تتكفل الحسابات الوهمية بضخ الملايين لتحويل البث إلى ملهاة جماهيرية كبرى، وفي النهاية تقتطع المنصة حصتها ويعود الباقي إلى حساب التيك توكر كأرباح مشروعة، ليُعاد تصديره “كنجم مجتمع” فذ يتلقى الدعم من معجبيه، لتكتمل دورة الغسيل وتعود الأموال غير المشروعة إلى أصحابها الحقيقيين نظيفة وبصفة شرعية.. فيغدو هذا النجم فيما بعد قدوة لملايين الشباب الطامحين لاستنساخ تجربته!
أليس من الخطر أن يتحول شاب عادي يعرض محتوى سطحي بضغطة زر إلى موظف واجهة في شبكة مالية دولية ومن ثم يصبح قدوة لأبنائنا.. بينما تقف الدولة مكتوفة الأيدي؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية