منصة الصباح

هل الضرب غير المبرح حقٌّ للزوج أم تجاوزٌ لكرامة الزوجة؟

في محاضرة تناولت «استعمال الحق» استناداً إلى نص المادة (69) من قانون العقوبات الليبي التي تنص على أنه: (لا عقاب إذا كان الفعل استعمالاً لحق) بوصفه سبباً من أسباب الإباحة وهو ما ينفي المسؤولية الجنائية إذا ثبت أن الضرب كان “غير مبرح” ولم يترك أثراً ، طرحتُ على الطلاب سؤالاً يستجلي المسافة بين منطق النص التشريعي والوعي المجتمعي: هل يُعدّ إقرار حق التأديب للزوج على زوجته مبرراً قانونياً يبيحه أم أنه خروج عن نطاق استعمال الحق؟

جاءت النتيجة مؤيدة بغالبية للتأديب بالضرب، تمسكاً بظاهر الآية الكريمة ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، بينما عارض ذلك قليل. وتكشف هذه النتيجة عن حاجةٍ ماسة لترسيخ الوعي القانوني؛ فالقانون والشريعة يتكاملان لحماية كرامة الإنسان، وغائيّة كليات القانون تتجاوز تلقين النصوص إلى إدراك أن الحق ينتهي حيث يبدأ التعدي على الكرامة الآدمية.

وبالتأمل في الخطاب القرآني ومقاصد الشريعة، تباينت الاجتهادات الفقهية في تفسير آية النشوز بين اتجاهين بارزين/ الاتجاه الأول: يفسر «الضرب» تفسيراً مجازياً يحيله إلى معنى الإعراض والمباعدة، مستدلاً بأن هذا اللفظ في اللغة العربية يحتمل معاني عدة لا تنحصر بالضرورة في الضرب المادي.

2. الاتجاه الثاني: يستند إلى حرفية المفردة مفسراً إياها بالضرب المادي المشروط بعدم الإيلام وكلا التوجهين اجتهاد فقهي سائغ.

غير أننا بإعمال العقل وبتدبير مقاصد الشريعة يضعنا أمام الحكمة الجوهرية للرسالة المحمدية؛ فقد جاء الإسلام لرفع الظلم عن المستضعفين، وأسس لمنهج متكامل يكفل كرامة المرأة وذمتها المالية واستقلالها وحماية حقوقها اثناء الطلاق وبعده، فكيف يستقيم عقلأ أن تسبغ الشريعة على المرأة كل هذه العناية، ثم تبيح ضربها؟ ألا يصطدم ذلك جذرياً مع روح الشريعة القائمة على المودة والرحمة؟

ويتعزز هذا التناقض عند استحضار البيئة الاجتماعية لنزول الآيات في المدينة المنورة؛ حيث كانت المرأة الأنصارية تتمتع بشخصية مستقلة، كما تنحدر من ثقافات مختلفة وهو ما لخصه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله: «كُنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نسائهم…».

كيف يستقيم عقلاً أو شَرْعاً أن تقبل امرأة حظيت بذلك الوعي والاستقلالية وهي التي التفت الوحي الإلهي لإنصافها في سورة المجادلة بإهدار كرامتها الجسدية؟

لقد أثبت العصر المدني أن قوة الإسلام الحقيقية كامنة في «قوة الكلمة»، إذ لم يرفع النبي ﷺ يده قط على امرأة أو طفل، مصداقاً لقوله: «ليس الشديد بالصُّرَعَة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

فاللجوء إلى الضرب هو اعتراف ضمني بإفلاس اللغة وعجز أدوات الإقناع.

أما القول بأن شرط الضرب «غير مبرح»، فيصطدم بالحقائق الفسيولوجية للطبيعة البشرية فعلم وظائف الأعصاب يؤكد أن (اللوزة الدماغية)(Amygdala) تطلق استجابة سريعة عند الغضب تُعطل (القشرة الجبهية) المسؤولة عن التفكير المنطقي وضبط النفس، مما يحول الإنسان إلى كائن غريزي يعجز عن تقييم شدة ضربته أو التحكم بها.

وبناءً عليه، يُصبح التحكم في بقاء الضرب في حدود “غير المبرح” أمراً مستحيلاً عملياً.

وعلاوة على ذلك، غالباً ما يكون الضرب نتاج ضغوط خارجية يتعرض لها الزوج (كالفشل الوظيفي أو الضيق المادي)، فيتخذ من الطرف الأضعف ( الزوجة) أداة لتفريغ إحباطه.

أو نتيجة (دائرة العنف المتوارثة) صدمات الطفولة (كما قرر فرويد)، فالأبناء يتشربون الأفعال لا الأقوال.

وصفوة القول تستدعي هذه المعطيات العلمية والشرعية ضرورة تداخل الإصلاح التشريعي مع الوعي الأكاديمي؛ إذ لا يمكن الإبقاء على مفاهيم (الإباحة المفترضة )تحت مظلة استعمال الحق في النص الجنائي العام.

لقد بات من الضروري التوجه نحو إفراد نصوص تشريعية صريحة وقوانين خاصة لحماية المرأة من العنف الأسري، تُخرج التعدي البدني والنفسي كلياً من نطاق الإباحة،

أمنة الهشيك

شاهد أيضاً

صورة خارجية لمبنى مصرف ليبيا المركزي التاريخي في العاصمة طرابلس مع الواجهة المعمارية المميزة والأعمدة والأقواس والأشجار أمامها

المركزي يبدأ تنفيذ طلبات شراء النقد الأجنبي المحجوزة للأغراض الشخصية

أعلن مصرف ليبيا المركزي، اليوم الأحد، البدء في تنفيذ طلبات شراء النقد الأجنبي المخصصة للأغراض …