الصباح/ سعاد الفرجاني
سجلت ليبيا خلال عام 2022 نحو 1,169 حالة إصابة جديدة بسرطان الثدي بين النساء، ليمثل 28.5% من إجمالي إصابات السرطان النسائية التي بلغت 4,101 حالة. أرقام رسمية صريحة تؤكد أن المرض لا ينتظر الأعراض ليُعلن عن نفسه، وأن ثقافة الكشف المبكر لم تعد ترفًا بل ضرورة حتمية. حول واقع المرض، وعوامل خطورته، وأهمية فعاليات “أكتوبر الوردي”، تلتقي منصة الصباح الرقمية بأخصائية النساء والتوليد الدكتورة ليلى ابو عجاجة
خديعة الهدوء
تنطلق د. أبوعجاجة من إحصائية عالمية تؤكد أن امرأة واحدة من بين كل ثماني نساء قد تُشخص بسرطان الثدي خلال حياتها، لتشدد على أن الكشف المبكر هو الفاصل الحقيقي في الوصول إلى الشفاء. وتحذر أخصائية النساء والتوليد من الركون إلى غياب الألم أو عدم ملاحظة كتلة ظاهرة، مؤكدة أن الفحوص الطبية والتصويرية هي الحسم، بينما يظل الفحص الذاتي أداة للاستئناس لا تغني عن التقييم الطبي المتخصص. كما تؤكد أن ترسيخ هذه الثقافة مسؤولية تتجاوز المؤسسات الطبية لتشمل المجتمع بأكمله.
شفرة الجينات
وتوضح د. أبوعجاجة أن العوامل التي ترفع احتمالية الإصابة تتعدد، وعلى رأسها التقدم في السن، والتاريخ العائلي المرتبط بالطفرات الجينية، إلى جانب بدء الدورة الشهرية في سن مبكرة أو انقطاعها في سن متأخرة نتيجة طول فترة التعرض للهرمونات. وتضيف أن الخضوع لبعض أنواع العلاج الإشعاعي في منطقة الصدر يزيد مخاطر الإصابة، منبهة إلى أن غياب التاريخ العائلي لا يضمن السلامة؛ إذ إن 80% من الحالات تحدث لدى نساء لا يحملن عوامل خطورة سوى العمر والجنس.
خيارات مشروطة
وحول العوامل المرتبطة بنمط الحياة، تشير إلى أن السمنة، وقلة النشاط البدني، والتدخين، شواهد يمكن تداركها بخيارات صحية أفضل. وعن الشائعات المتعلقة بعدم الإرضاع الطبيعي واستخدام العلاجات الهرمونية، تؤكد أنها تدخل ضمن العوامل المساعدة، لكن تأثيرها يعتمد بالكامل على نوع العلاج ومدته والتاريخ الصحي للمرأة، مما يتطلب استشارة طبية دقيقة بعيدًا عن التهويل أو التعميم.
إشارات الخطر
وترسم د. أبوعجاجة خارطة للعلامات التي تستوجب التقييم الطبي العاجل، وتتضمن ظهور كتلة أو تورم جديد في الثدي أو الإبط، أو تغير ملحوظ في الحجم أو الشكل، إضافة إلى التغيرات الجلدية كالتثخن والتجعد (مظهر قشرة البرتقال)، وانكماش الحلمة، أو خروج إفرازات غير طبيعية ومصحوبة بالدم. وتشدد على أن ظهور هذه العلامات لا يعني بالضرورة وجود أورام خبيثة، إذ قد تعود لأسباب حميدة أو تغيرات هرمونية.
الرهان الصفر
وتؤكد أن نسب الشفاء تصل إلى 98% عند اكتشاف المرض في مرحلته الأولى أو ما يُعرف بـ “المرحلة صفر”. وتوضح أن هذه المرحلة التمهيدية تكون فيها التغيرات خفية وغير محسوسة بالفحص اليدوي، مما يجعل وسائل التصوير الدورية الوسيلة الوحيدة لاقتطاع الطريق على الورم قبل تفاقمه.
ثنائية الظل
وتبين د. أبوعجاجة أن الكشف المبكر يتشكل من ثلاثة مسارات متكاملة: الفحص الذاتي، والفحص السريري، والفحوص التصويرية. وتضع أشعة “الماموغرام” كحجر أساس لاكتشاف أدق التغيرات قبل ظهور الأعراض، ناصحة بإجرائها دوريًا ابتداءً من سن الأربعين. كما تبدد المخاوف حول الإشعاع بأنه ضمن المستويات الآمنة، موضحة أن الموجات فوق الصوتية تُستخدم للنسيج الكثيف أو الأعمار الأصغر، ويُترك الرنين المغناطيسي للحالات عالية الخطورة.
الندوب الخفية
ولا تقتصر رحلة العلاج على التدخل الجراحي أو الإشعاعي والكيميائي، بل يمتد أثرها ليطال الجانب النفسي والمظهر العام للمريضة. وفي هذا السياق، تشدد د. أبوعجاجة على أن الدعم النفسي يوازي في أهميته العلاج السريري لمساندة المرأة أثناء تقبل التغيرات الجسدية المرافقة للعلاج.
الاستثناء النادر
وتكشف د. أبوعجاجة أن سرطان الثدي لا يستثني الرجال، وإن كان يمثل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% من إجمالي الحالات عالميًا. وتؤكد أن تبسيط المعلومات ورفع الوعي المجتمعي يظل خطوة حاسمة للجميع دون استثناء.
أفق يتسع
وتستحضر د. أبوعجاجة تجربتها الممتدة لـ 16 عامًا مع فريق “مصحة المسرة” في تنفيذ الحملات التوعوية بالمدارس والمساجد والمؤسسات العامة، وهي التجربة التي اتسعت لتشمل نطاقًا عربيًا للعام الثامن على التوالي، مؤكدة أن “أكتوبر الوردي” شكّل نقطة تحول في إقبال النساء على الفحص.
هاجس المواجهة
وترى أن الخوف من اكتشاف الإصابة، وما يرافقه من خشية الجراحة أو تغيرات الجسد، يظل العائق الأكبر الذي يدفع النساء لتأجيل الفحص. وتوضح أن التوعية الصحيحة هي الكفيلة بكسر هذا الهاجس، مؤكدة أن التأجيل لا يمنع المرض، بل يحرم المرأة من فرصة اكتشافه في وقت يتسنى فيه استخدام جراحات تحفظية تُبقي على الثدي بدلاً من الاستئصال الكامل.
الحسابات المجدية
وتتطرق إلى البعد الاقتصادي، مشيرة إلى أن كلفة الفحوص المبكرة تُعد ضئيلة جدًا مقارنة بالأعباء المالية المرهقة لعلاج الحالات المتقدمة، خاصة للأسر محدودة الدخل. وتنوه بضرورة التعريف بالخدمات المجانية المتاحة لتشجيع الإقبال عليها.
المسار المستمر
وتختتم د. أبوعجاجة حديثها بالدعوة إلى توحيد جهود المؤسسات الرسمية كالمركز الوطني لمكافحة الأمراض والهيئة الوطنية لمكافحة السرطان، مع منظمات المجتمع المدني كالاتحاد الليبي لمكافحة السرطان. وتصر على أن التوعية يجب ألا تظل موسمية ترتبط بشهر أكتوبر فقط، بل ثقافة دائمة ومستمرة على مدار العام..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية