نعيمة الطاهر
ليس كل من ابتسم في وجهك محبًّا، ولا كل من اقترب منك جاء يحمل لك الودّ والصفاء؛ فثمة من يتقن ارتداء أقنعة الطيبة، ويتخذ من نقل الكلام حرفة، ومن بثّ الشكوك وسيلة، ومن خراب العلاقات غايةً لا يعترف بها.
إنه ذلك الذي وصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، فلا يكتفي بغيبةٍ في مجلس، ولا يرضى بإشاعةٍ عابرة، بل يمضي بين الناس يحمل الكلام من هذا إلى ذاك، ينتقي منه ما يؤذي، ويضيف إليه ما يثير الريبة، حتى تتحول الكلمة الصغيرة إلى خصومة، والموقف العابر إلى قطيعة، والثقة إلى جدارٍ من الشكوك.
والأدهى من ذلك أنه قد يقدّم نفسه في ثوب الناصح الأمين، فيقول: «أنا لا أريد إلا مصلحتك»، أو «أحببت أن أضعك في الصورة»، بينما غايته الحقيقية أن يزرع في قلبك ما لم يكن فيه، وأن يفسد عليك علاقةً لم يشبها عطب. وهكذا يصبح الكذب في بعض المجالس حقيقةً متداولة، ويُدان الغائب من غير أن تُمنح له فرصة الدفاع عن نفسه.
إن النميمة ليست مجرد كلمات تُقال ثم تنتهي؛ إنها سهام تصيب القلوب، وسموم تتسلل إلى البيوت، ونار قد تبدأ بهمسة وتنتهي بسنوات من الجفاء والندم. وما أكثر العلاقات التي هدمها ناقل كلام، وما أكثر القلوب التي أرهقها تصديق الوشاة!
لذلك، ليست الحكمة في أن نسمع كل ما يُقال، بل في أن نُحسن التمييز، وألا نجعل آذاننا أبوابًا مفتوحة للفتنة، ولا أحكامنا سريعةً على من غابوا عن مجالسنا. فمن نقل إليك كلام غيرك، قد ينقل عنك كلامًا إلى غيرك.
فاحذروا مشّائي النميمة؛ فليس كل ناقلٍ للحكايات بريئًا، وليس كل من أشعل الفتنة يستحق أن يُصدَّق.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية