منصة الصباح
صورة لمجموعة من المتظاهرين والملثمين وسط الشارع مع تصاعد أعمدة الدخان والغاز المسيل للدموع خلال اشتباكات في إحدى المدن الأوروبية
الصحافة العالمية تكشف: حكومات أوروبية تحت الضغط وشوارع تغلي بفعل الاحتجاجات وأزمات المعيشة

الصحافة العالمية تكشف: حكومات تحت الضغط وشوارع تغلي في أوروبا

تتصاعد موجة الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية، وسط غضب شعبي تغذّيه أزمات غلاء المعيشة والسكن وتراجع الخدمات العامة، في حين تحولت بعض المظاهرات إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب ونهب، واضعة الحكومات أمام اختبار أمني وسياسي واجتماعي معقد.

وبينما تركز مطالب المحتجين على تحسين ظروف المعيشة والتعليم وتوفير السكن بأسعار معقولة، تتباين قراءات الحكومات والقوى السياسية لأسباب الاضطرابات والمسؤولية عنها، في مشهد ترصده الصحافة الدولية من زوايا متعددة.

فرنسا.. احتجاجات وإخفاقات

سلطت صحيفة ليبراسيون الفرنسية الضوء على ما وصفته بإخفاق في إدارة احتجاجات 17 أكتوبر، مشيرة إلى أن حجم المشاركة تجاوز توقعات السلطات، إذ تراوحت التقديرات بين 500 ألف و800 ألف متظاهر في أنحاء البلاد.

ورغم أن غالبية المشاركين خرجوا في مسيرات سلمية، شهدت عدة مدن أعمال نهب وتخريب وحرائق، مما أثار انتقادات بشأن خطط انتشار الشرطة وقدرتها على احتواء الأحداث.

وتناولت الصحيفة 4 محاور رئيسية لفهم ما حدث، شملت ملاءمة مسار المسيرة في باريس، والاستخدام المبكر للغاز المسيل للدموع، ومدى كفاية أعداد قوات الأمن، وهوية المجموعات التي شاركت في أعمال العنف.

كما نقلت انتقادات من متظاهرين ومختصين في شؤون الشرطة بشأن طريقة التعامل مع الحشود، في مقابل دفاع مسؤولين نقابيين عن التدخلات الأمنية، معتبرين أن مجموعات متفرقة من المخربين استغلت التجمعات السلمية لتنفيذ أعمالها.

وأشارت التغطية إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون دعا إلى استخلاص الدروس من الأحداث في مجالي الاستخبارات والاستعداد المسبق، فيما تعهدت السلطات بتقديم ردود واضحة على أوجه القصور المحتملة.

وهكذا، لم يعد الجدل مقتصرا على أسباب الاحتجاجات، بل امتد إلى أساليب حفظ النظام وحدود استخدام القوة والمسؤولية عن تفاقم المواجهات.

من جهتها، ركزت صحيفة إندبندنت البريطانية على جذور الحراك، موضحة أن الاحتجاجات بدأت في سبتمبر الماضي على خلفية نقص الموارد في المدارس، قبل أن تتسع لتشمل شرائح غاضبة من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات الاجتماعية.

كما لفتت إلى دخول الأزمة في الحسابات السياسية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، واستفادة أطراف من اليمين المتطرف واليسار الشعبوي من تصاعد الاستياء الشعبي.
وفي قراءة أوسع، حذرت صحيفة آي بيبر البريطانية من أن مشاهد العنف في فرنسا تكشف عن تداعيات الاستقطاب السياسي وتراجع القدرة الشرائية، معتبرة أن الأزمة تحمل مؤشرات تستحق المتابعة في بريطانيا ودول أوروبية أخرى.

وربطت الصحيفة الغضب الشعبي بارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والطاقة، إلى جانب الضغوط على الخدمات العامة، محذرة من أن استمرار هذه الأزمات قد يمنح القوى الشعبوية مساحة أكبر في المشهد السياسي.

إيطاليا والبرتغال
وفي إيطاليا، رصدت صحيفة غارديان البريطانية تحول مسيرة في ميلانو بدأت سلميا إلى مواجهات بين محتجين والشرطة، بعدما ألقى ملثمون الحجارة وقطعوا الأرصفة وأضرموا النار في حواجز مؤقتة.
واستخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وسط تقارير عن إصابة شرطيين واحتجاز نحو 50 متظاهرا.

نقلت الصحيفة عن رئيسة الوزراء جورجا ميلوني إدانتها أعمال العنف، مع تأكيدها أن حق التظاهر لا يبرر إحراق المدن أو الاعتداء على قوات الأمن.
أما في البرتغال، فقد اتخذ الغضب مسارا مختلفا، إذ أقام محتجون خياما في ساحة روسيو وسط لشبونة للمطالبة بإجراءات تحد من ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة.

وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن التحرك جاء امتدادا لاحتجاجات سكنية بدأت في بورتو، بالتزامن مع مسيرات شارك فيها آلاف الأشخاص للمطالبة بتحسين الأجور والمعاشات والخدمات العامة.

وأشارت غارديان ووكالة الصحافة الفرنسية إلى أن أسعار المساكن في البرتغال ارتفعت بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، وفق البيانات الرسمية، مما زاد الضغوط على الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، ولا سيما في لشبونة.
وعكست شهادات المحتجين شعورا بأن الحصول على مسكن بات تحديا متزايدا حتى بالنسبة إلى العاملين الذين يسهمون في تمويل الاقتصاد عبر الضرائب.

وتكشف المقارنة بين البلدين عن اختلاف في طبيعة التحركات، ففي ميلانو طغت المواجهات الأمنية على المشهد، بينما برزت في لشبونة الاحتجاجات المطلبية المرتبطة بالسكن والقدرة على تحمل تكاليف الحياة.

ألبانيا.. أزمة تتجاوز المطالب المعيشية
وفي ألبانيا، ركزت صحيفة لوفيغارو الفرنسية على تصاعد الغضب ضد رئيس الوزراء إيدي راما، مع استمرار الاحتجاجات التي يقودها طلاب وشبان وتوسعها خارج العاصمة تيرانا.
وأشارت إلى أن المطالب لم تعد محصورة في قضايا التعليم والفساد، بل شملت ارتفاع الإيجارات وتكاليف الدراسة وتراجع فرص البقاء في البلاد أمام الشباب.
وتناولت الصحيفة المواجهات بين المتظاهرين والشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي، وفق ما أوردته التغطية، بينما ألقى محتجون الحجارة والألعاب النارية والقنابل الحارقة.
كما نقلت عن متظاهرين انتقاداتهم للحكومة على خلفية الفساد وغياب الآفاق الاقتصادية، بينما رفض راما الاستقالة واتهم أطرافا خارجية بالسعي إلى عرقلة مسار بلاده نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي سياق متصل، أوردت غارديان أن الاحتجاجات الألبانية ترتبط أيضا بأشهر من الاعتراض على مشروع سياحي مثير للجدل، قبل أن تتداخل مع مطالب سياسية واجتماعية أوسع، ويشير ذلك إلى أن الغضب في ألبانيا لا يرتبط بغلاء المعيشة وحده، بل يتصل كذلك بالثقة في المؤسسات والفساد ومستقبل الشباب.

بلجيكا ومواجهة الشغب
وفي بلجيكا، اتخذت المخاوف من اتساع أعمال العنف منحى مؤسسيا، إذ أفادت صحيفة براسلز تايمز البلجيكية بأن وزارتي الدفاع والداخلية تناقشان إنشاء احتياط من عناصر الشرطة المدربين عسكريا، يمكن نشرهم عند اندلاع أعمال شغب شديدة.
ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع ثيو فرانكن رغبته في إنشاء قوة وصفها بأنها “درك حديث”، تكون تحت سلطة وزير الداخلية، بهدف تعزيز الاستجابة الأمنية عندما تتجاوز أعمال العنف قدرة الأجهزة المعتادة على التعامل معها.

أسباب متعددة وتحديات مشتركة
ورغم اختلاف السياقات الوطنية، تكشف هذه التغطيات الصحفية قواسم مشتركة بين موجات الاحتجاج، أبرزها ضغوط المعيشة وأزمة السكن ومخاوف تراجع الخدمات العامة، إلى جانب اتساع الفجوة بين مطالب المحتجين واستجابات الحكومات.

لكن المشهد لا يعكس حركة أوروبية موحدة، فالمطالب التعليمية والاجتماعية تتداخل في فرنسا مع الاستقطاب السياسي، بينما تبرز أزمة السكن في البرتغال، وتتخذ الاحتجاجات في ألبانيا أبعادا تتصل بالفساد ومستقبل الحكم، في حين تتزايد في بلجيكا المخاوف من التداعيات الأمنية.

وبينما تسعى الحكومات إلى احتواء الاحتجاجات ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف، يبقى التحدي الأوسع هو التعامل مع أسباب الغضب نفسها، لا مع مظاهره في الشوارع فحسب.

فاستمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة السياسية قد يطيلان أمد التوتر، في حين ستظل قدرة الحكومات على الجمع بين الاستجابة للمطالب المشروعة وحماية الأمن العام عاملا حاسما في مسار الأزمة الأوروبية.

شاهد أيضاً

ماسك يكشف عن نسخة من “تسلا رودستر” تنفذ حركات بهلوانية في الهواء

كشف إيلون ماسك، في عرض أُقيم يوم 15 أكتوبر الجاري بولاية تكساس الأمريكية، عن نسخة …