تقرير / شعيب ابوساقة
38 فيلماً خلال ثلاثة أيام، و233 مشاركة من 21 دولة، لكن غياب الجمهور الواسع وصناع عدد من الأفلام يفتحان النقاش حول جدوى التجربة وأثرها السينمائي
من معرض طرابلس الدولي، حيث أقيم حفل الافتتاح، إلى فندق كورنثيا الذي احتضن عروض الأفلام والندوات، انعقد مهرجان ليبيا الدولي للفيلم القصير خلال الفترة من 10 إلى 13 أكتوبر، مقدماً برنامجاً سينمائياً امتد على مدى أيام، وأعلن مشاركة دولية واسعة، لكنه أثار في المقابل ملاحظات بشأن التنظيم والحضور الجماهيري وطبيعة العروض ومستوى التفاعل مع صناع الأفلام.

وبين الإعلان عن عشرات الأفلام والمشاركات القادمة من بلدان مختلفة، والمشهد الذي رافق بعض العروض والندوات، يبرز سؤال يتجاوز نجاح دورة بعينها إلى واقع المهرجانات السينمائية في ليبيا: هل أصبح تنظيم المهرجانات هدفاً في حد ذاته، أم أنها تتحول إلى مشاريع ثقافية مستدامة تراجع تجاربها وتتعلم من أخطائها؟
مشاركات دولية.. وماذا عن الجمهور؟
يقدم مدير المهرجان، مصطفى كرماجي، مبرراً واضحاً لوصف المهرجان بأنه دولي، مستنداً إلى تلقي 233 فيلماً من 21 دولة، وهي مشاركات يقول إنها تعكس البعد الدولي للتظاهرة.

لكن عدد الأفلام المتقدمة للمشاركة لا يساوي بالضرورة عدد الأفلام التي عُرضت فعلياً، إذ بلغ عدد الأفلام المعروضة، وفق المعلومات المتاحة، 38 فيلماً خلال ثلاثة أيام. ومن ثم، تظل معرفة آليات الاختيار وعدد الأفلام المقبولة من إجمالي المشاركات ضرورية لتقييم حجم البرنامج وطبيعة المنافسة.
وفي رده على ملاحظات ضعف الحضور، أرجع كرماجي ذلك إلى تدني مستوى الثقافة السينمائية في ليبيا إلى حد ما، مشيراً إلى أن المهرجان شهد حضوراً وصفه بالنخبوي، ضم صناع أفلام ومتذوقين لهذا الفن، مؤكداً أن من أهداف المهرجان رفع مستوى الثقافة السينمائية في البلاد.
غير أن هذا التفسير يطرح سؤالاً إضافياً: إذا كان رفع الثقافة السينمائية هدفاً أساسياً للمهرجان، فما الأدوات التي اعتمدها للوصول إلى جمهور أوسع؟ وهل شملت خطته أنشطة للتعريف بالأفلام، وبرنامجاً واضحاً لمواعيد العروض، وفعاليات تفاعلية تستقطب الشباب والطلبة والجمهور غير المتخصص؟
فضعف الثقافة السينمائية، إن كان أحد أسباب محدودية الحضور، لا يعفي الجهات المنظمة من مسؤولية العمل على تطوير أدوات التواصل والترويج، بل يجعلها أكثر إلحاحاً.

بين معرض طرابلس وفندق كورنثيا
أقيم حفل الافتتاح في معرض طرابلس الدولي، بينما استضاف فندق كورنثيا عروض الأفلام والندوات. ويثير هذا التوزيع تساؤلات بشأن طبيعة الفضاء المخصص للعروض، ومدى ملاءمة تجهيزاته لتقديم تجربة سينمائية متكاملة.
فالمهرجان لا يُقاس فقط بعدد الأفلام المدرجة في برنامجه، وإنما أيضاً بجودة العرض، ووضوح مواعيده، وسهولة وصول الجمهور إلى أماكن الفعاليات، وقدرته على متابعة الأفلام والمشاركة في مناقشتها.
ولا يعني استخدام القاعات الفندقية بالضرورة أن العروض غير مناسبة، لكن ذلك يستدعي معرفة التجهيزات التقنية المتاحة، ومدى توافر شروط العرض السينمائي من حيث الصورة والصوت، فضلاً عن انتظام البرنامج وإعلانه للجمهور.
وقد برزت ضمن الملاحظات المتعلقة بالدورة صعوبة تتبع مواعيد العروض والفعاليات، إلى جانب تساؤلات حول استخدام أكثر من فضاء للأنشطة، ومدى انعكاس ذلك على حضور الجمهور وتفاعله.

غياب بعض صناع الأفلام.. الدعوات وحدها لا تكفي
من الملاحظات التي رافقت المهرجان غياب عدد من المخرجين والمنتجين والقائمين على الأفلام العربية والمحلية المشاركة، بما حرم الجمهور من فرصة لقاء أصحاب الأعمال والاستماع إلى تجاربهم ومناقشة خياراتهم الفنية.
وفي رده على هذه الملاحظة، أوضح كرماجي أن صناع الأفلام الذين حضروا عروض أعمالهم قدموا من طرابلس ومصراتة ومدن ليبية أخرى، بينما أرجع غياب آخرين إلى ظروفهم الخاصة، مؤكداً أن إدارة المهرجان حرصت على توجيه الدعوات إليهم.
ويظل حضور صناع الأفلام عنصراً مهماً في أي مهرجان، لكنه لا يرتبط بالدعوات وحدها؛ إذ يتطلب، خصوصاً في المشاركات الدولية، تهيئة ظروف مناسبة للحضور والتنسيق المسبق، إلى جانب تنظيم لقاءات وجلسات نقاش تجعل مشاركة المخرج أو المنتج جزءاً من قيمة العرض نفسه.
كما أن غياب بعض الضيوف لا ينتقص بالضرورة من قيمة الأفلام المعروضة، لكنه يقلل من فرص التفاعل المباشر وتبادل الخبرات التي يفترض أن تميز المهرجانات عن مجرد عرض الأعمال على الشاشة.

دورة ثانية.. ما الذي تغير؟
يقول مدير المهرجان إن الدورة الثانية شهدت معالجة بعض الهفوات التي رافقت الدورة السابقة، مشيراً إلى أن الحكم على التغيير الذي تحقق ينبغي أن يستند إلى تجربة من حضروا الفعاليات.
كما حملت الدورة اسم الفنان والمهندس البخاري حودة، الذي كرمه المهرجان وهو على قيد الحياة، إلى جانب تكريم ثماني شخصيات أخرى، بعضهم من الراحلين وبعضهم ما زالوا على قيد الحياة.
وتُعد تكريمات الفنانين والمبدعين جزءاً مهماً من حفظ الذاكرة الثقافية والاعتراف بالعطاء الفني، غير أن نجاح المهرجان على المستوى التنظيمي والفني يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز التكريمات وحفل الافتتاح.
فما الهفوات التي جرى تداركها تحديداً؟ وهل شملت تنظيم العروض، وإدارة الوقت، والتواصل مع الجمهور، ومعايير اختيار الأفلام، أم اقتصرت على جوانب أخرى؟ كما أن نشر تقييم ختامي يوضح ما تحقق من أهداف الدورة الثانية يمكن أن يمنح حديث الإدارة عن التطور أساساً قابلاً للقياس والمراجعة.
لجنة عليا ولجنة تحكيم.. أين التقييم النقدي؟
ترأس اللجنة العليا للمهرجان الصحفي الليبي محمود البوسيفي، فيما ترأس لجنة التحكيم المخرج المصري مجدي علي أحمد، وضمت اللجنة المخرجين عبدالله الزروق وناجي بوسبعة ومراد الشيخ، والممثلة خدوجة صبري، والممثل أنور التير، والكاتب التونسي محمد الباسوسي.
ويمنح هذا التشكيل المهرجان فرصة للاستفادة من خبرات فنية وإعلامية متنوعة، لكن قيمة لجنة التحكيم لا تتحدد بالأسماء وحدها، وإنما أيضاً باستقلالية التقييم ووضوح المعايير ومدى انعكاسها على الجوائز والنتائج.
وقد أثيرت ملاحظات بشأن تفاوت المستويات الفنية لبعض الأفلام، وغياب المناقشات النقدية الجادة في مقابل ما وُصف بالمجاملات. وهي ملاحظات تستدعي توضيح معايير الاختيار والتحكيم، وطبيعة المنافسة بين الأعمال، ومدى وجود جلسات نقاش أو تقييمات مكتوبة تساعد المخرجين، خصوصاً الهواة والشباب، على تطوير تجاربهم.
فالمهرجان الذي يفتح المجال أمام المواهب الجديدة يؤدي دوراً ثقافياً مهماً، لكنه يحتاج أيضاً إلى بيئة نقدية مهنية تميز بين التشجيع والمجاملة، وتمنح المشاركين ملاحظات تساعدهم على التطور.
المألوف في الافتتاح.. والسينما في صلب البرنامج
تضمن حفل الافتتاح مشاركة فرقة للمألوف، في حضور لعنصر من عناصر التراث الموسيقي الليبي ضمن المناسبة الثقافية. ومع أهمية هذه الفقرات في إضفاء طابع محلي على الفعاليات، يبقى السؤال متعلقاً بمدى توازن البرنامج بين الاحتفاء الافتتاحي والأنشطة السينمائية المتخصصة.
فالمهرجان السينمائي يحتاج إلى أن تتواصل حيويته بعد انتهاء حفل الافتتاح، عبر عروض منتظمة، وحوارات مع المخرجين، وندوات متخصصة، ومشاركة نقدية وإعلامية تمتد طوال أيامه، لا أن يتركز الحضور الأكبر في المناسبة الافتتاحية وحدها.
مهرجانات متتالية.. ومراجعة لا بد منها
لا تنفصل هذه الملاحظات عن واقع المهرجانات والتظاهرات السينمائية في ليبيا، حيث يتكرر تنظيم الفعاليات، بينما تظل الحاجة قائمة إلى آليات معلنة لتقييم التجارب السابقة وقياس أثرها.
إن تنظيم دورة ثانية يمثل خطوة في مسار الاستمرارية، لكنه لا يثبت وحده أن التجربة تطورت. فذلك يتطلب تقارير ختامية توضح عدد الأفلام المعروضة، وحجم الحضور الفعلي، ومشاركة صناع الأفلام، ونتائج التقييم الفني، والمشكلات التي ظهرت، والإجراءات التي ستتخذ لمعالجتها.
كما أن الإعلان عن المشاركات الدولية ينبغي أن يقترن بتوضيح عدد الأفلام التي وصلت إلى مرحلة العرض، وكيفية اختيارها، وطبيعة المشاركة الدولية الفعلية في الفعاليات، بما يساعد الجمهور على فهم القيمة التي أضافها البعد الدولي إلى البرنامج.
من عدد الأفلام إلى أثر المهرجان
بين 233 فيلماً من 21 دولة تقدمت للمشاركة، و38 فيلماً عُرضت خلال ثلاثة أيام، تقف تجربة تستحق التقييم بعيداً عن الاكتفاء بالاحتفاء بالأرقام أو اختزالها في ملاحظات نقدية عامة.
فالمهرجان السينمائي ليس مجرد مناسبة تجمع الأفلام وتمنح الجوائز وتكرم الشخصيات، بل مساحة لبناء جمهور، وتطوير المواهب، وتحفيز النقد، وتعزيز التواصل بين صناع الأفلام، وتأسيس تقاليد مهنية قابلة للاستمرار.
والتحدي أمام إدارة مهرجان ليبيا الدولي للفيلم القصير لا يتمثل فقط في تنظيم دورة جديدة، وإنما في تحويل الملاحظات التي رافقت هذه الدورة إلى خطوات عملية قابلة للقياس، تجعل من المهرجان تجربة سينمائية أكثر تنظيماً وانفتاحاً على الجمهور، وأكثر قدرة على الإسهام في بناء مشهد سينمائي ليبي فاعل.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية