منصة الصباح
صورة إخبارية مجمعة لوقفة احتجاجية لمتقاعدين عسكريين ليبيين في تاجوراء، يحملون لافتات ورقية مكتوبة بخط اليد تطالب بحقوقهم القانونية في زيادة المعاشات بمساواة مع العاملين الحاليين
المتقاعدون الليبيون يرفعون أصواتهم: تطبيق القانون مطلبنا

المتقاعدون في ليبيا.. حقوق مؤجّلة وأموال تُستحق وأسعار لا تنتظر

الصباح / منى عريبي

ليس أصعب على الإنسان من أن ينهي سنوات عمره في العمل، ثم يجد نفسه في مواجهة حياة تزداد كلفة يومًا بعد آخر، بينما يبقى معاشه واقفًا عند رقم لا يتغير..

هذه هي معادلة آلاف المتقاعدين في ليبيا؛ معاشات محدودة، وأسعار متحركة، واحتياجات لا تعرف التقاعد..

فالمتقاعد الذي أفنى عقودًا في التعليم أو الصحة أو الهندسة أو الصحافة أو الإدارة أو القوات المسلحة، لا يتوقف احتياجه إلى الغذاء والدواء والسكن والمواصلات بمجرد انتهاء خدمته. لكن قدرته على زيادة دخله تتراجع، بينما تتسع الفجوة بين قيمة المعاش وتكاليف الحياة..

ورغم رفع الحد الأدنى للمعاشات الضمانية والعسكرية إلى 900 دينار في أكتوبر 2021، فإن السؤال لم يعد فقط عن قيمة الزيادة، بل عن قدرتها الفعلية على حماية المتقاعد من تآكل دخله أمام ارتفاع الأسعار..

قانون ينتظر التنفيذ

الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف هو استمرار التساؤلات حول القانون رقم (5) لسنة 2013 بشأن معاشات المتقاعدين، وما نص عليه من حقوق وآليات لزيادة المعاشات، في وقت جرى فيه تنفيذ زيادات وتحسينات على مرتبات عدد من القطاعات..

وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه:

إذا كانت قرارات زيادة مرتبات العاملين تُنفذ، فلماذا لا تنعكس الزيادات المستحقة قانونًا على معاشات المتقاعدين وفق الآلية التي أقرها القانون؟

فالمتقاعد لا يطالب بميزة استثنائية، وإنما يطالب بتطبيق حق تشريعي، وبألا يتحول انتهاء خدمته إلى سبب لفقدان حقه في مواكبة التحسينات التي تطرأ على منظومة المرتبات..

إن بقاء النص القانوني دون أثر فعلي على حياة المستفيد منه يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول الفجوة بين التشريع والتنفيذ، وهي فجوة لا ينبغي أن يدفع ثمنها من أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة..

أموال اقتُطعت من أجورهم.. فأين عوائدها؟

وفي الجانب الآخر من القضية يقف صندوق الضمان الاجتماعي، بما يمثله من أهمية في حماية حقوق المؤمن عليهم والمتقاعدين..

فعلى مدى سنوات العمل، اقتُطعت اشتراكات من أجور الموظفين والعاملين، ولم تكن تلك الاستقطاعات أموالًا بلا غاية؛ بل كانت جزءًا من منظومة يفترض أن توفر حماية ومعاشًا عند التقاعد..

ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية لا ينبغي أن تبقى بلا إجابة:

  • ما حجم أموال صندوق الضمان الاجتماعي؟
  • وكيف جرى استثمارها؟
  • وما العوائد التي حققتها تلك الاستثمارات؟ وما نصيب منظومة المعاشات من هذه العوائد؟

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية:

ما حجم الاشتراكات والديون المستحقة للصندوق لدى الجهات العامة التي لم تقم بتحويل الاستقطاعات في مواعيدها؟ وما الإجراءات المتخذة لتحصيلها؟

فالأموال التي تُستقطع من أجور العاملين اليوم هي، في جوهرها، جزء من الحماية التي يُفترض أن تعود إليهم غدًا..

ولهذا فإن كشف حجم مديونية الجهات العامة للصندوق، ونسب التحصيل، وأوجه استثمار أمواله وعوائدها، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شأنًا إداريًا داخليًا، بل ملفًا يرتبط مباشرة بحقوق المتقاعدين والأمن الاجتماعي لملايين المواطنين..

المتقاعد ليس الحلقة الأضعف

لا يمكن بناء منظومة عادلة للمرتبات بمعزل عن أصحاب المعاشات..

فمن غير المنطقي أن تتحسن دخول قطاعات من العاملين، بينما يبقى المتقاعد الذي سبقهم إلى الخدمة العامة أسير معاش لا يواكب بالضرورة التغير في تكاليف المعيشة..

القضية ليست منافسة بين الموظف والمتقاعد، ولا اعتراضًا على تحسين أجور العاملين؛ فالجميع يستحق حياة كريمة. القضية هي تحقيق التوازن داخل منظومة الدخل، بحيث لا تتحول الزيادة في جانب إلى اتساع أكبر للفجوة في جانب آخر..

المتقاعد لا يطلب صدقة، ولا ينتظر إحسانًا.

إنه يطالب بحق دفع ثمنه مسبقًا من سنوات عمره، ومن اشتراكاته واستقطاعاته، ومن عمله الذي انتهى بينما بقيت حاجاته مستمرة..

ولهذا فإن إصلاح ملف المعاشات لا يجب أن يكون مجرد زيادة مؤقتة عند اشتداد الأزمة، بل يحتاج إلى منظومة واضحة تربط المعاشات بالتغير في المرتبات وكلفة المعيشة، وتضمن تنفيذ الحقوق القانونية، وتحمي أموال صندوق الضمان، وتكشف بوضوح حجم استثماراته وعوائدها، وتُلزم الجهات المدينة بتسوية ما عليها من اشتراكات..

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يكون على طاولة الجهات المختصة:

  • أين يقف المتقاعد من كل زيادات المرتبات؟
  • وما مصير حقوقه التي نص عليها القانون؟
  • وأين تذهب عوائد الأموال التي اقتُطعت من أجره طوال سنوات خدمته؟
  • ومتى تُحصّل مستحقات صندوق الضمان لدى الجهات العامة؟

فالدولة التي تطلب من مواطنيها أن يعملوا لعقود وتقتطع من أجورهم لصالح منظومة الضمان، مطالبة بأن تضمن لهم في نهاية الطريق معاشًا يحفظ كرامتهم، لا دخلًا يضعهم أمام سؤال: كيف سنعيش حتى نهاية الشهر؟

التقاعد نهاية الخدمة.. لكنه ليس نهاية الحق في الحياة الكريمة..

شاهد أيضاً

صورة مقسمة إلى جزءين تظهر تجمعًا كبيرًا للمياه المهدرة في منطقة جبلية مكشوفة جراء فتح صمام بالنهر الصناعي.

هدر مياه النهر بسبب تخريب مُتعمّد لمسار “ترهونة–أبو زيان”

أعلن جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي تعرض مسار “ترهونة–أبو زيان” لعمل تخريبي متعمد، تسبب …