منصة الصباح
المصور الليبي محمد أمْنينة يحمل كاميرته أثناء توثيق مشروع «ما بعد الآن» عن تعافي مدينة درنة وسكانها بعد إعصار دانيال.
المصور محمد أمْنينة يوثق آثار دانيال في درنة عبر مشروع «ما بعد الآن»( مصد الصورة/ محمد امنينة)

«ما بعد الآن».. التعافي لم يكن واحدا.. والكاميرا لاتنسى

الصباح/ حنان علي كابو

لم تنتهِ حكاية دانيال والمدينة التي ذهبت باكملها الي البحر . بالنسبة إلى المصور “محمد أمْنينة”، كانت تلك اللحظة بداية مشروع امتد مع الأيام، وانتقل من رصد الكارثة إلى تتبع ما تركته وراءها؛ في الإنسان الذي بقي يحمل أثرها، وفي مدينة تبدلت حجارتها وأزقتها وأرصفة أحبها أهلها..

من الأسبوع الأول بعد دانيال، بدأ أمْنينة تصوير مشروع «ما بعد الآن»، وواصل العمل خلال الأسابيع التالية. ومع امتداد التصوير، أخذ المشروع يتجاوز لحظة الكارثة نفسها، متجهًا نحو سؤال التعافي والذاكرة وما يبقى بعد أن تتغير المدينة ويواصل الناس حياتهم..

840 وجهًا.. سبعة أبواب

بدأ أمْنينة من مساحة واسعة، فصوّر وسجّل شهادات 840 شخصًا، قبل أن يختار للفيلم سبع شخصيات فقط.
يقول: «بالنسبة إليّ، بدأ اختيار الأشخاص من الجزء الأول من المشروع، وصوّرنا وسجلنا شهادات 840 شخصًا، لكن الذين ظهروا في الفيلم سبعة فقط. من بينهم سيدة لم تتعافَ وأصيبت بمرض عضال، وشخص آخر مرّ بظروف اجتماعية قاسية ولم يتعافَ أيضًا، بل ازدادت حالته سوءًا، وهناك شخص أصبح لاعب شطرنج، وتعافى وعاد إلى عمله»..

لم يكن الاختيار منفصلًا عن سؤال الفيلم نفسه، الذي بدأ من الشهادة ثم اتجه إلى الإنسان وما يمكن أن تقوله قصته بعد الكارثة..

«كان اختيار الأشخاص قائمًا على اعتبارات فنية وأخلاقية. في البداية كانت هناك محاولة للاقتراب من حجم الكارثة التي حدثت، لكنني أدركت أن الفيلم لا نهاية له. بدأت بشهادات، ثم أصبح الفيلم يبحث عن شيء، عن الإنسان، عن قصة تقول شيئًا للإنسان بعد الكارثة».

التعافي لم يكن واحدًا.

لا يقدم «ما بعد الآن» التعافي بوصفه نهاية واضحة للألم؛ فالشخصيات التي تابعها أمْنينة سارت في اتجاهات مختلفة.
«عندما اخترت الشخصيات، وجدت شخصيات تعافت، وأخرى تعافت لكنها ما زالت تحمل الألم؛ فالتعافي لم يكن واحدًا».
ويضع أمْنينة مسؤولية الاختيار ضمن أكثر جوانب المشروع صعوبة: «أصعب مسؤولية هي أن تقرر اختيار شخصيات دون غيرها، وأن تستمع إلى قصصهم. كان للفيلم مساحة محددة، لذلك اخترت شخصيات كأبواب تحمل أكثر من معنى».
لكن الشخصيات لم تتوقف عند الصورة التي ظهرت بها أول مرة، إذ ظلت حياتها تتغير أثناء التصوير..

«حاولت التعامل مع أشخاص لم تنتهِ قصصهم، وأحاول أن أطور الفيلم؛ فالفيلم ليس عن دانيال فقط، بل سيتطور»..

ويضيف: «الشخصيات كانت تتغير أثناء التصوير، تبعًا للظروف التي تمر بها، سواء كانت ظروفًا اجتماعية أو مناسبات أو غير ذلك»..

ويشير إلى أن التجربة لم تكن منفصلة عن أثرها عليه شخصيًا: «أثناء التصوير حدث معي موقف مع المخرج محمد المصلي من مصراتة، وكان يقوم بتصويري. الفيلم الآن في مرحلة ما بعد الإنتاج، وسيظهر إلى النور قريبًا. أتعامل مع الأشياء بالمنطق والعقل..

شهادة تتجاوز اللحظة

بالنسبة إلى أمْنينة، لا تتوقف قيمة الشهادات عند زمن تسجيلها؛ فما يُروى اليوم قد يحمل معنى مختلفًا بعد خمسة عشر أو عشرين عامًا..

«لم نبحث عن شخص ما زال يعيش الأزمة نفسها بعد خروجه منها. وعندما نجد شخصًا ما زال يعيش الأزمة، فإن عدم خروجه منها يصبح مسؤولية تقع على المجتمع»..

ويضيف: «بعد خمسة عشر أو عشرين عامًا، ستكون هذه الشهادات مهمة. أحببت أن أسجل ما حدث، لأن الرؤية ستختلف كثيرًا مع مرور الوقت، وسيتغير الأمر فيما بعد»..

حتى التعافي نفسه لا يراه حالة مكتملة: «التعافي يكون شكليًا أو مرحليًا. هناك أشياء تخطر على بالي فأبكي، فالحزن جزء من الحياة، مثل الذكرى والفرح»..

درنة.. ذاكرة الحجر والبشر

لا ينفصل الإنسان عن المكان في «ما بعد الآن». فدانيال لم يغيّر حياة الناس وحدها، بل طال المدينة نفسها، وأعاد تشكيل تفاصيلها..
ويواصل ..«مشروع “ما بعد الآن” نابع من الناس. بدأت تصويره من الأسبوع الأول بعد دانيال، ثم واصلت في الأسبوع الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس. ما حدث مع دانيال في درنة كان تغييرًا كاملًا وجذريًا؛ تغيّر الحجر والبشر والأزقة والأرصفة والأماكن التي أحبها، وأصبح كل شيء جديدًا»..

ومع الترميم، تبقى للمدينة ذاكرتها الخاصة: «المكان يبقى، ونمرّ به، ويترك فينا ذكرى جميلة وأيامًا لا تُنسى بسهولة. جميل أن تكون لنا مدينة تواكب الحداثة».

الكاميرا.. شاهد ورفيق

من موقع المصور، لا يتعامل أمْنينة مع الكاميرا بوصفها أداة تسجيل فحسب، بل جزءًا من تجربته مع المكان والناس.
«الكاميرا أداة، لكنها تحمل روحًا ومشاعر وأحاسيس، وهي شاهد مهم ورفيق مهم بالنسبة إليّ»..

والمشروع نفسه لم يبدأ فيلمًا، بل قطع مسارًا طويلًا عبر الصورة والمعرض والفيلم والكتاب.
يقول: «عملنا على هذا المشروع منذ سنوات، وبدأ من معرض فوتوغرافي ومعرض فني تشكيلي أُقيما أولًا في بنغازي، ثم انتقلنا إلى تونس، وأضفنا إليه فيلمًا وثائقيًا. عُرض الفيلم لاحقًا في قرية عمر المختار، ثم عدنا مرة أخرى إلى تونس بمعرض فوتوغرافي وفني وكتاب وفيلم وثائقي قصير»..

فيلم لا يريد أن يُباع

كان التمويل التجاري أحد الخيارات التي عُرضت على المشروع، لكن أمْنينة اختار رفضها، خشية أن تتحول الجهة الممولة إلى طرف في تحديد ما يظهر في الفيلم وما يُطمس..

«لم أكن خائفًا من فكرة التمويل، بل كنت أخشى أن يفرض التمويل نفسه على الفيلم، وألا يعود العمل شخصيًا. كانت فكرة الفيلم في البداية مجرد فكرة، لكن التمويل قد يؤثر، وقد تتحكم الجهة الممولة في إظهار موضوعات معينة أو طمسها»..

ويؤكد أن المشروع «من إنتاج محلي»، وأن مؤسسات وشركات وجهات عدة عرضت تمويله، لكنه رفض ذلك «لأن هذا الفيلم غير تجاري، ولأنه يرتبط بأجمل الأرواح في درنة»..

أما وصول الفيلم إلى الناس، فيراه أمْنينة جزءًا من قيمة التجربة، لا سببًا لتحويلها إلى منتج تجاري..

«أرى أن الانتشار يمكن أن يتحقق من خلال هذه اللقاءات المباشرة بين الناس في المهرجانات، بما يكسب العمل التعاطف، وكذلك من خلال عرضه مجانًا من قبل الجهات الدولية والمحلية»..

ويقول: «لو تحول هذا المشروع إلى عمل تجاري، سيتحول إلى فيلم يُباع ويُسوّق، وتصبح تجربته قصيرة جدًا».
ويضع ذلك في سياق المشهد الوثائقي المحلي: «تجاربنا في ليبيا في مجال الأفلام الوثائقية محدودة جدًا، وأنا أحاول بكل ما لديّ أن أنتهز الفرص وأستثمر علاقاتي لعرض هذه الأعمال».

ما بعد الآن

لم يعد «ما بعد الآن» فيلمًا عن لحظة دانيال وحدها. امتد المشروع مع الأشخاص الذين صوّرهم، ومع مدينة تغيرت ملامحها، ومع أسئلة التعافي التي لم تجد إجابة واحدة.

840 شهادة كانت البداية، وسبع شخصيات أصبحت أبوابًا لحكايات لم تنتهِ. وبين الإنسان والمكان، يواصل أمْنينة تصوير ما لا يمكن اختزاله في صورة واحدة: أثر الكارثة بعد أن تصبح جزءًا من الذاكرة.

الفيلم ما زال في مرحلة التصوير وما بعد الإنتاج، لكن فكرته تبدو مفتوحة على ما هو أبعد من الشاشة؛ على زمن ستتغير فيه قراءة الشهادات …وعلى مدينة تستعيد عمرانها …بينما يحمل أهلها مالايمكن ترميمه بالحجر..

شاهد أيضاً

بين شغف الجماهير وغياب الاحتراف: الإعلام الرياضي في ليبيا ومعوقات الممارسة

قسم الإعلام جامعة سرت د_عبدالله محمد أطبيقه تُعدّ الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، المتنفّس الأكبر …