منصة الصباح
مراسم توقيع اتفاق الاجتماع المصغر في ليبيا، بحضور المبعوثة الأممية وعدد من المسؤولين الليبيين، في العاصمة طرابلس، 30 أغسطس 2026.
مراسم توقيع اتفاق الاجتماع المصغر في ليبيا، بحضور المبعوثة الأممية وعدد من المسؤولين الليبيين، في العاصمة طرابلس، 30 أغسطس 2026.

اتفاق 4+4 في ليبيا.. خطوة نحو توحيد المؤسسات أم بداية لاختبار جديد

مهند أحميدة

بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي، تتجه الأنظار في ليبيا إلى مخرجات لجنة 4+4 التي توصلت إلى اتفاق برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في محاولة جديدة لفتح الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة ودفع العملية السياسية والانتخابية المتعثرة.

ويأتي توقيع الاتفاق بعد أشهر من الاجتماعات والمباحثات بين ممثلين عن طرفي الانقسام في البلاد، وسط آمال بأن تشكل التفاهمات الجديدة مدخلاً لمعالجة عدد من الملفات التي ظلت عالقة، وفي مقدمتها الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

لكن أهمية الاتفاق لا تتوقف عند مراسم التوقيع، إذ يظل الاختبار الحقيقي في مدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل ما جرى التوافق عليه إلى خطوات عملية، والحصول على قبول المؤسسات المعنية به وتنفيذه على الأرض.

 4+4.. محاولة لكسر الجمود

تأتي لجنة 4+4 في سياق المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وخلق مساحة للحوار حول الملفات التي حالت دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

وعلى مدار اجتماعاتها، ناقشت اللجنة عدداً من الملفات المرتبطة بالعملية السياسية، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، وآليات الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، إضافة إلى ملف المؤسسات السيادية وسبل إنهاء حالة الانقسام التي انعكست على أداء الدولة.

ويكتسب الاتفاق أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام بين مؤسسات الدولة، وهو انقسام لم يعد مقتصراً على السلطة التنفيذية، بل امتد إلى المؤسسات التشريعية والسيادية، وأصبح أحد أبرز العوائق أمام إجراء انتخابات وطنية وإنهاء المرحلة الانتقالية.

الانتخابات وتوحيد المؤسسات في قلب المشهد

يأتي الملف الانتخابي في مقدمة القضايا التي ترتبط بمخرجات اللجنة، في ظل استمرار الخلافات بشأن القوانين المنظمة للانتخابات وشروط إجرائها، فضلاً عن الخلاف حول المؤسسات التي يفترض أن تدير المرحلة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.

وتتصل هذه المسألة بشكل مباشر بملف توحيد المؤسسات، إذ ترى أطراف سياسية أن إجراء انتخابات ناجحة يتطلب وجود مؤسسات موحدة وقادرة على تنفيذ نتائجها، فيما تخشى أطراف أخرى أن يؤدي تغيير بعض المؤسسات أو إعادة تشكيلها قبل الانتخابات إلى إنتاج خلافات جديدة.

ومن هنا، لا يبدو أن التحدي أمام الاتفاق يكمن فقط في الوصول إلى صيغة توافقية، وإنما في “كيفية تنفيذها ومنحها الغطاء السياسي والقانوني اللازم”.

غياب التوافق الكامل

ورغم أهمية الاتفاق، فإن توقيعه لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي شامل حول جميع تفاصيله.

فاستمرار التحفظات من جانب بعض المؤسسات والأطراف يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالمسار السياسي الليبي، خصوصاً أن البلاد شهدت خلال السنوات الماضية اتفاقات وتفاهمات متعددة لم تنجح جميعها في الانتقال من مرحلة التوافق السياسي إلى مرحلة التنفيذ.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع 4+4 إنتاج توافق أوسع من نطاق اللجنة، أم أن الخلافات ستنتقل إلى مرحلة اعتماد وتنفيذ مخرجاتها؟

الحل الليبي-الليبي فوق كل شيء

الدكتور محمد شرف الدين أستاذ الإعلام
الدكتور محمد شرف الدين أستاذ الإعلام

ويرى أستاذ الإعلام الدكتور محمد شرف الدين، ، أن لقاء لجنة 4+4 يمثل محطة مهمة ومصيرية بالنسبة إلى ليبيا، معرباً عن أمله في نجاحه، باعتبار أن الهدف الأساسي يجب أن يكون دعم استقرار البلاد وعودة الأمن وتفعيل مؤسسات الدولة.

ويعتبر شرف الدين أن نجاح اللجنة يمكن أن يشكل “ركيزة لانطلاق حوار ليبي-ليبي مثمر”، مشدداً على أن مصلحة الوطن ينبغي أن تتقدم على الطموحات الشخصية والسلطوية، وأن أي مبادرة إيجابية ناتجة عن عمل ليبي-ليبي تستحق الدعم.

ويلفت إلى حالة الضبابية المحيطة بالأدوار المختلفة، سواء المرتبطة بالأمم المتحدة أو بالمبادرات الداخلية أو بمبادرات دول الجوار، معتبراً أن نجاح 4+4 يكتسب أهمية أكبر في ظل هذا المشهد.

ويؤكد شرف الدين أن الحل الليبي-الليبي فوق كل شيء، وأن أي أدوات أو مساعدة خارجية ينبغي أن تكون عاملاً مساعداً للحل الداخلي، لا وسيلة للتدخل أو عرقلة المسار.

وبحسب رؤيته، فإن ليبيا تبحث في هذه المرحلة عن ولادة دولة وطنية من جديد، وهو ما يتطلب إرادة سياسية مستمرة وعدم التراجع أمام العقبات، إلى جانب تجاوز الطموحات الفردية والسلطوية والتوجه نحو مشروع وطني يحافظ على وحدة الدولة.

ويختصر شرف الدين رؤيته في أن ليبيا، بما تملكه من ثروات وإمكانات، لا تحتاج بالدرجة الأولى إلى دعم خارجي بقدر حاجتها إلى تفاهم وإرادة ليبيين، معتبراً أن استعادة الدولة الوطنية تمثل المدخل للعودة الفاعلة إلى المجتمع الدولي.

توحيد المؤسسات أولوية.. لكن الطريق ليس سهلاً

د.عارف التير عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية
د.عارف التير عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية

من جهته، يؤكد عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية الدكتور العارف التير، ، دعمه لأي خطوة من شأنها توحيد مؤسسات الدولة الليبية، معتبراً أن الأولوية تتمثل في الوصول إلى سلطة تنفيذية وتشريعية وعسكرية موحدة.

لكن التير يبدي في الوقت ذاته تحفظاً تجاه بعض الخيارات المتعلقة بإدارة المؤسسات، مشيراً إلى أن اختيار شاغلي المناصب ينبغي أن يأخذ في الاعتبار طبيعة اختصاص كل مؤسسة، حتى لا تتحول عملية إعادة الترتيب إلى مصدر جديد للخلاف.

ويرى أن الوصول إلى مخرجات تقود فعلياً إلى سلطة موحدة لن يكون بالسهولة المتوقعة، في ظل وجود نقاط خلاف عميقة بين الأطراف لم تجد حلولاً نهائية حتى الآن.

ولا يحصر التير مشكلة الانقسام في السلطة التنفيذية، بل يشير إلى امتدادها إلى السلطة التشريعية، في ظل عدم التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وما يترتب على ذلك من خلافات بشأن عدد من الملفات، بينها الانتخابات والقوانين الانتخابية والمناصب السيادية وتوزيع الموارد.

ورغم هذه التحفظات، يؤكد التير أن موقفه واضح في دعم أي خطوة توحد مؤسسات الدولة، باعتبار أن توحيد المؤسسات يمثل أساساً ضرورياً للخروج من حالة الانقسام القائمة.

بين التفاؤل والحذر

يكشف رأيا الخبيرين عن مسارين متكاملين في قراءة اتفاق 4+4.

ففي حين يركز شرف الدين على ضرورة استثمار الاتفاق باعتباره فرصة لإطلاق حوار ليبي-ليبي، بعيداً عن الطموحات الشخصية والتدخلات الخارجية، يضع التير شرطاً أكثر ارتباطاً ببنية الدولة نفسها، وهو **توحيد مؤسساتها الرئيسية قبل أن تتحول التفاهمات السياسية إلى واقع مستدام.

وفي الحالتين، يتفق الخبيران على نقطة أساسية: أن نجاح أي اتفاق لا يقاس بالتوقيع عليه، وإنما بقدرته على معالجة الانقسام وتحويل التفاهمات إلى مؤسسات موحدة وقواعد واضحة للعمل السياسي.

الاختبار يبدأ بعد التوقيع

تدخل لجنة 4+4 بعد التوقيع مرحلة أكثر صعوبة، إذ ستواجه اختبار تحويل الاتفاق من وثيقة سياسية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

ويحتاج ذلك إلى توافق أوسع بين المؤسسات والأطراف السياسية، وإلى معالجة الملفات التي ظلت سبباً رئيسياً في تعطيل الانتخابات، إلى جانب تحديد واضح للجهات المسؤولة عن تنفيذ المخرجات والجداول الزمنية المرتبطة بها.

فإذا تمكنت الأطراف من البناء على الاتفاق وتوسيعه ليشمل المؤسسات والقوى السياسية المختلفة، فقد يتحول إلى خطوة مهمة باتجاه إنهاء الانقسام وإعادة إطلاق المسار الانتخابي.

أما إذا بقي الاتفاق محصوراً في إطار اللجنة ولم يحظَ بتوافق مؤسسي أوسع، فإن خطره سيكون في أن يصبح حلقة جديدة في سلسلة التفاهمات التي لم تتمكن من معالجة جذور الأزمة.

وفي بلد أنهكته الانقسامات السياسية والمؤسسية، تبدو قيمة اتفاق 4+4 في قدرته على الإجابة عن السؤال الأصعب:

 

هل تستطيع الأطراف الليبية هذه المرة الانتقال من الاتفاق على الورق إلى توحيد مؤسسات الدولة وبناء مسار يقود فعلياً إلى انتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية؟

شاهد أيضاً

صورة خارجية لمبنى سفارة ليبيا في نيامي مع أعمدة صفراء وعلم ليبيا يرفرف فوقه، تعبيرًا عن خبر تحذير الجالية الليبية من تطورات الأوضاع.

سفارة ليبيا في النيجر تحذّر الجالية من تطورات الأوضاع في نيامي

دعت سفارة دولة ليبيا لدى جمهورية النيجر أبناء الجالية الليبية المقيمة في البلاد إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، في ظل الأوضاع والتطورات التي تشهدها العاصمة نيامي.