منصة الصباح
مجدي الشبعاني
مجدي الشبعاني

حين يتحول جواز السفر من وثيقة رسمية إلى «رهن».. ماذا يقول القانون؟

د. مجدي الشبعاني

أصبح من المألوف في بعض معاملاتنا اليومية أن يطلب صاحب محل أو نشاط من المواطن ترك جواز سفره ضمانًا إلى حين إعادة شيء قام باستئجاره؛ فستان، أو معدات بناء، أو خيمة وكراسٍ، أو استراحة أو مصيف، أو غير ذلك.

وربما تبدو المسألة للوهلة الأولى مجرد وسيلة عملية لضمان حق المؤجر، خاصة مع ضعف التوثيق في كثير من هذه المعاملات، إلا أن شيوع الممارسة لا يعني بالضرورة مشروعيتها.

فالسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل جواز السفر أصلًا مال يصلح لأن يكون ضمانًا أو رهنًا؟ وهل يملك صاحبه حرية تسليمه إلى الغير ليظل محتجزًا لديه حتى تنفيذ التزام مدني؟

في تقديري، الإجابة تبدأ من الطبيعة القانونية لجواز السفر نفسه.

فالجواز ليس مالًا عاديًا، ولا ورقة تجارية، ولا وسيلة ائتمان، وإنما هو مستند سفر رسمي تصدره الدولة لغرض محدد، وأخضعه المشرع لنظام قانوني خاص.

وقد كان المشرع الليبي واضحًا في إضفاء حماية خاصة على مستند السفر؛ إذ نصت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية للقانون رقم (4) لسنة 1985 بشأن مستندات السفر، الصادرة بالقرار رقم (472) لسنة 1985، على اعتبار مستند السفر «وثيقة هامة»، وقررت أنه لا يجوز لصاحبه أن يسمح بوصوله إلى أي شخص ليس له الحق في استعماله.

بل إن المادة (28/ج) من اللائحة ذاتها اعتدت بمدى قدرة الشخص على المحافظة على مستند سفره ضمن الحالات التي نظم فيها المشرع إصدار المستند أو تجديده.

وهذا يكشف عن أمر مهم: حامل جواز السفر ليس مطلق الحرية في التعامل معه كما يتعامل مع أمواله الخاصة؛ فالوثيقة، وإن صدرت باسمه وسُلّمت إليه لاستعمالها، تظل محكومة بالغرض الذي صدرت من أجله وبالضوابط القانونية المقررة بشأنها.

وهل يصلح الجواز «رهنًا»؟

حتى إذا تركنا التشريعات المنظمة لمستندات السفر جانبًا وانتقلنا إلى القواعد العامة في القانون المدني، سنصل تقريبًا إلى النتيجة ذاتها.

فالمادة (1100) من القانون المدني تنظم الرهن الحيازي، بينما تقرر المادة (1101) أنه لا يكون محلًا للرهن الحيازي إلا ما يمكن بيعه استقلالًا بالمزاد العلني من منقول أو عقار.

وهنا يظهر الخلل بوضوح: ماذا سيفعل صاحب المحل بجواز السفر إذا لم يُعد المستأجر الشيء المؤجر؟ هل يستطيع بيعه؟ هل يجوز التنفيذ عليه؟ وهل يمكن استيفاء الدين من ثمنه؟

بالطبع لا.

ومن ثم فإن ما يسمى بين الناس «رهن الجواز» ليس رهنًا بالمعنى القانوني أصلًا؛ وإنما هو، في حقيقته العملية، احتفاظ بوثيقة رسمية واتخاذها وسيلة للضغط على صاحبها حتى ينفذ التزامه.

ولا يغير من ذلك أن صاحب الجواز قد سلّمه برضاه؛ فالتراضي بين شخصين لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية على اتخاذ وثيقة لا تصلح بطبيعتها محلًا للرهن ضمانًا لدين، كما أن صاحب الجواز نفسه مطالب بالمحافظة على مستند سفره وعدم تمكين الغير منه على نحو يخالف الضوابط المقررة بشأنه.

المشكلة الحقيقية: لماذا نستبدل العقد بالجواز؟

لكن الوقوف عند القول بعدم صلاحية الجواز للرهن لا يعالج أصل المشكلة.

فلماذا يلجأ صاحب النشاط إلى أخذ جواز السفر أصلًا؟

السبب، في جانب مهم منه، أن كثيرًا من معاملات التأجير تتم بطريقة غير منظمة: يُسلّم الشيء، وتُدفع الأجرة، ويُترك الجواز، وتنتهي العلاقة دون عقد واضح أو فاتورة أو إيصال يبين حقوق الطرفين والتزاماتهما.

وهنا ينبغي قلب المعادلة.

من يريد حماية حقه وإثباته على نحو سليم فعليه أن ينظم علاقته التعاقدية، لا أن يحتجز جواز سفر المتعاقد معه.

فتأجير المعدات أو الأثاث أو الملابس أو الاستراحات أو غيرها علاقة مدنية أو تجارية – بحسب طبيعتها وأطرافها – يمكن تنظيمها بعقد واضح، يحدد هوية المتعاقدين، والشيء المؤجر وحالته وقيمته، ومدة الإيجار، والأجرة، ومبلغ التأمين، ومسؤولية التلف أو الفقد أو التأخير، وكيفية المطالبة بالحقوق عند الإخلال بالعقد.

والعقد هنا لا يحمي المستأجر وحده، بل يحمي صاحب النشاط أكثر من الاحتفاظ بجواز السفر؛ لأنه يوفر له وسيلة لإثبات حقوقه والرجوع على الطرف الآخر بالطرق التي يقررها القانون.

كما أن نشر ثقافة العقود والفواتير والإيصالات في هذه الأنشطة له بعد آخر لا يقل أهمية؛ إذ يسهم في إخراج جانب من المعاملات من دائرة التعامل غير الموثق، ويجعل النشاط أكثر قابلية للرقابة، ويساعد في التحقق من مشروعية مزاولته ومدى التزامه بالتشريعات التجارية والمالية والضريبية النافذة.

فليس من المنطقي أن تكون لدينا أنشطة تتعامل يوميًا بمبالغ مالية، وتؤجر ممتلكات ربما تكون مرتفعة القيمة، ثم تختزل وسيلة إثبات العلاقة وضمانها في عبارة: «خلّي جوازك عندي».

والبدائل القانونية موجودة

حماية صاحب النشاط حق مشروع، ولا ينبغي أن نطالبه بتسليم ممتلكاته إلى الغير دون ضمان، لكن الضمان يجب أن يكون هو الآخر مشروعًا.

ويمكن، بحسب طبيعة المعاملة وما يسمح به القانون، الاتفاق على مبلغ تأمين مالي يتناسب مع قيمة الشيء ويُرد عند إعادته بالحالة المتفق عليها، أو الاستعانة بالكفالة أو غيرها من الضمانات المشروعة، إلى جانب عقد مكتوب وإيصال أو فاتورة وإثبات بيانات المتعاقد بالوسائل القانونية المناسبة.

أما جواز السفر، فليس تأمينًا نقديًا، ولا شيكًا، ولا وديعة، ولا محلًا صالحًا للرهن.

الجهات المختصة مطالبة بالتدخل

إن انتشار هذه الممارسة يستحق، في تقديري، موقفًا أكثر وضوحًا من الجهات المختصة، وفي مقدمتها مصلحة الجوازات والجنسية وشؤون الأجانب، بالتنسيق مع الجهات المختصة بتنظيم النشاط الاقتصادي وحماية المستهلك.

والمطلوب بدايةً إصدار تعميم واضح يبين الطبيعة القانونية لجواز السفر، ويحذر من اتخاذه ضمانًا في معاملات التأجير والمعاملات الخاصة، وينبه المواطنين إلى ضرورة المحافظة على جوازاتهم وعدم تسليمها لهذا الغرض، مع توعية أصحاب الأنشطة بالبدائل القانونية المتاحة لهم.

كما ينبغي أن يصاحب ذلك اتجاه نحو تنظيم معاملات التأجير في هذه الأنشطة وتوثيقها، بحيث تكون العلاقة بين الطرفين معلومة، والنشاط خاضعًا للرقابة المقررة قانونًا، والمعاملات مثبتة بالعقود والفواتير أو الإيصالات بحسب الأحوال.

وهذا من شأنه أن يحمي المتعاملين، ويعزز الرقابة على النشاط، ويسهم في الامتثال للالتزامات القانونية والمالية والضريبية.

وإذا كشفت الممارسة العملية عن قصور في النصوص الحالية، فمن المناسب دراسة وضع تنظيم قانوني أكثر وضوحًا يحدد الأفعال المحظورة والمسؤولية المترتبة عليها والجزاء المناسب لها.

وهنا يجب التنبيه إلى مسألة قانونية أساسية: لا يجوز إنشاء غرامة أو عقوبة بقرار إداري مجرد دون سند تشريعي؛ فمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقتضي أن يكون الجزاء مستندًا إلى القانون.

وبالتالي يمكن للجهة المختصة إصدار التعليمات والتعاميم في نطاق اختصاصها، أما استحداث مخالفة مالية أو تقرير عقوبة جديدة فينبغي أن يستند إلى أساس تشريعي.

الخلاصة

المشكلة ليست في حاجة أصحاب الأنشطة إلى ضمان حقوقهم؛ فهذا حق لا خلاف عليه. المشكلة في اختيار وسيلة لا تصلح قانونًا للغرض المراد منها.

جواز السفر وثيقة رسمية أصدرتها الدولة لغرض محدد، وليس أداة ضمان للفساتين والمعدات والخيام والاستراحات وغيرها.

وإذا كنا نريد حماية صاحب النشاط والمواطن والدولة في الوقت نفسه، فالحل ليس في تكريس ثقافة «اترك جوازك»، وإنما في الانتقال إلى ثقافة أخرى أكثر احترامًا للقانون:

عقد معلوم، ونشاط معلوم، ومعاملة موثقة، وضمان مشروع، وحقوق يمكن المطالبة بها أمام القانون.

وعندها لا نحمي جواز السفر فقط، بل نسهم كذلك في تنظيم جانب من النشاط الاقتصادي، وحماية المتعاملين، وتعزيز الرقابة، وتشجيع الامتثال للالتزامات القانونية والمالية والضريبية.

فالجواز للسفر.. أما الحقوق فتحميها العقود والقانون.

شاهد أيضاً

المطرب الليبي الشاب أيمن الأعتر

أيمن الأعتر .. الغربة صقلت خياراتي 

في حديث يتسم بالشفافية والعمق الفني حل المطرب الليبي الشاب أيمن الأعتر ضيفاً على منصة …