الصحة العمومية ليست بندًا إداريًا في دفاتر الحكومات، ولا رفاهية تُؤجل حين تضيق الموازنات إنها شرط الوجود ذاته، وركيزة العمران وحارس الحياة الذي إن غاب انكشفت المجتمعات لعواصف المرض والفوضى والابتذال.
في الدول التي تشبهنا حيث تتشابك الهشاشة الاقتصادية مع التعقيد الاجتماعي، لا يكون النظام الصحي العام خيارًا بين خيارات إنما يكون قدرًا لا مفر منه.
هو المؤسسة الوحيدة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا تفرق بين غني وفقير ولا بين مركز وهامش، ولا بين نافذ ومنسي. هو العدالة حين تتجسد في سرير مستشفى، وهو الكرامة حين تُترجم إلى دواء آمن، وهو الأمل حين يصل الإسعاف في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت.
الصحة العامة ليست مجرد علاج للمرض إنما هي هندسة للحياة.
تبدأ من الماء النظيف والهواء النقي ومن الغذاء الآمن والسكن اللائق، ومن التعليم والوعي، وتمتد إلى الوقاية والتنبؤ والاستجابة. إنها الفلسفة التي تقول إن الإنسان لا يُنقذ في غرفة العمليات فقط إنما يُحمى قبل أن يمرض.
وكل نظام يغفل هذا المعنى إنما يبني طبًا بلا روح وعلاجًا بلا عدالة. القطاع الصحي الحكومي حين يُدار بعلم وخبرة وشفافية وحوكمة وضمير يتحول إلى أعظم استثمار تقوم به الدولة.
هو الأقل تكلفة حين يُحسب بعقل، والأكثر عائدًا حين يُقاس بحياة البشر. فيه تُصنع الكفاءات، وتُبنى الأجيال الطبية، وتُصاغ الخبرة الوطنية التي لا تُشترى ولا تُستورد.
ومنه تنطلق المستشفيات الجامعية كقلاع للعلم والبحث والتدريب ليس كواجهات شكلية إنما كمنظومات حيّة تدمج المعرفة بالممارسة وتربط التعليم بالحياة.
إن كليات الطب والمستشفيات التعليمية هي الضمانة الأخيرة لجودة المهنة ونزاهتها. حين تنهار هذه المنظومة لا ينهار التعليم فقط، إنما ينهار معيار الصواب والخطأ في الطب، وتضيع الحدود بين العلم والدجل وبين العلاج والتجارة وبين الرسالة والمصلحة. وفي المقابل حين يُهمش القطاع العام تتقدم الفوضى بثوب السوق.
وتتحول الصحة إلى سلعة والمرض إلى فرصة والمريض إلى زبون. وتتكاثر الأدوية المغشوشة، وتنتشر الممارسات الخاطئة، وتُختزل القيمة الإنسانية في فاتورة.
عندها لا يخسر الفقير وحده إنما تخسر الدولة نفسها، حين تدفع أضعاف ما ادّخرته، وتفقد ثقة شعبها وتستبدل النظام بالفوضى. النظام الصحي العام هو جيش غير مرئي لا يحمل السلاح إنما يحمل الحياة.
يقف في وجه الأوبئة كما تقف الجيوش على الحدود، ويتصدى للكوارث كما تتصدى الدول للأزمات الوجودية. في لحظات الجائحة لا ينقذ الناس سوق، ولا تحميهم شركات إنما تحميهم دولة تمتلك نظامًا صحيًا قويًا ومنظمًا وعادلًا ومتماسكًا.
إن إهمال هذا النظام ليس خطأً إداريًا إنما خطيئة وجودية. هو الطريق الأقصر إلى مجتمع مريض واقتصاد منهك وفساد مستشرٍ وطبقية قاتلة.
وهو إعلان غير مباشر بأن حياة الناس قابلة للمساومة، وأن كرامتهم ليست أولوية. الصحة سيادة وليست قطاعًا وحق وليست خدمة واستثمار في بقاء الأمة وليست تكلفة.
وحين تفهم الدول هذه الحقيقة لا تسأل كم ننفق على الصحة؟ إنما تسأل كم نخسر إن أهملناها؟ ومن هنا يبدأ الطريق الصحيح.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية