تتعرض مناطق واسعة من الشمال والشرق الليبي لموجة حر شديدة القسوة، دفعت مؤشرات الحرارة إلى الارتقاء إلى مستويات استثنائية، وسط تحذيرات رسمية وأهلية من تداعياتها على السلامة العامة وبنية الطاقة والقطاع الزراعي في البلاد.
وفقاً للبيانات الميدانية الصادرة عن “مؤسسة رؤية لعلوم الفضاء وتطبيقاته”، سجلت محطة الرصد بمدينة الجميل والتابعة لمشروع “مزن” للرصد الجوي، أعلى قراءة في تاريخها التشغيلي بلغت 48.2 درجة مئوية في تمام الساعة الثالثة عصراً، متجاوزة الرقم القياسي السابق ومسجلة أعلى درجة حرارة بين نحو 70 محطة رصد موصلة شبكياً عبر البلاد.
ولم تكن مدينة الجميل استثناء، إذ بلغت الحرارة في مدن تيجي وبني وليد ومسلاتة والعزيزية وجالو مستويات تراوحت بين 44.6 و 45.7 درجة مئوية خلال ساعات الذروة، مما يعكس اتساع نطاق الكتلة الهواء المباشرة المؤثرة على الأراضي الليبية.
العزيزية وتاريخ الحرارة القياسي في ليبيا
تتمتع ليبيا بسجل مناخي حافل بالسخونة والموجات الاستثنائية؛ ففي سبتمبر 1922، سجلت منطقة العزيزية درجة حرارة بلغت 58 درجة مئوية، والتي ظلت معتمدة عالمياً لنحو تسعين عاماً كأعلى درجة حرارة تسجل على سطح الأرض.
وعلى الرغم من أن المنظمة العالمية للخدمات الجوية (WMO) ألغت هذا الرقم القياسي رسمياً في عام 2012 لاعتبارات تتعلق بدقة أجهزة القياس المستخدمة حينها وخبرة الراصد، إلا أن الإقليم الشمال أفريقي، والحوض الليبي تحديدا، ظل يمثل أحد أكبر البؤر الحرارية وأكثرها عرضة للظواهر المناخية المتطرفة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
القبة الحرارية والتغير المناخي
تفسر الأوساط العلمية والمراكز المناخية الدولية تصاعد حدة هذه الموجات الاستثنائية من خلال عدة أسباب هيكلية ومناخية فتبرز ظاهرة “القبة الحرارية” (Heat Dome) حيث و بحسب تقارير الإدارة الوطنية للأوقيانوس والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، فإن تشكل مرتفع جوي قوي في طبقات الجو العليا يؤدي إلى حبس الهواء الساخن المتصاعد من الصحراء الكبرى وضغطه باتجاه الأرض، مما يمنع تكون السحب أو مرور الكتل الهوائية الباردة، ويزيد من شدة الإشعاع الشمسي المباشر.
كذلك في تسارع التغير المناخي في حوض المتوسط تؤكد دراسة حديثة صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط تعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بالاحتباس الحراري، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل يتجاوز المتوسط العالمي بنسبة 20%، مما يجعل الموجات الشديدة أكثر تكراراً وأطول أمداً.
الرياح القارية الجافة المعروفة محليا بالقبلي وفقاً لبيانات المركز الإقليمي للتدريب والأرصاد الجوية، فإن اندفاع كتل هوائية صحراوية جنوبية وجنوبية شرقية جافة وساخنة قادمة من عمق الصحراء الكبرى نحو الساحل الليبي يساهم في رفع درجات الحرارة بسرعة فائقة وانخفاض مستويات الرطوبة النسبية إلى مستويات حادة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية