منصة الصباح
جمعة بوكليب

“وَعْدَة” سيدي البهلول

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

قبل أن أقرأ ما كتبه الفرنسي شارل فيرو عن سيدي البهلول في كتاب “الحوليات الليبية” ترجمة الدكتور عبد الكريم الوافي، كانت جدتي لأبي ومعها أمي -رحمهما الله- قد نقشتا له في مخيّلتي صورة أخرى تماماً، تقترب من صورة المنقذ.

هناك، بين السطور التي خطها القنصل الفرنسي، فوجئت باكتشاف أن سيدي البهلول كان رجلاً شبه مجنون، مثيراً للشغب ومحرّضاً للعامة ضد (الكفار) من الأجانب في المدينة. صورة لم تكن متوقعة لوليّ كان مُكرِّسًا لمساعدتي على اجتياز الامتحانات المدرسية بنجاح.

كنّا نحن الثلاثة (جدتي وأمي وأنا) نقصد مقامه في مقبرة سيدي منذر كل عام تقريباً، وفي أول يوم جمعة، بعد الانتهاء من امتحاني النهائي المدرسي. نغادر بيتنا في المدينة القديمة صباحاً. تترك أمي بقية إخوتي في حراسة أبي في البيت.

نمشي ثلاثتنا على الأقدام صامتين وكأن على رؤوسنا الطير، حتى نبلغ الباب الرئيسي للمقبرة. ندخله، ونسير ببطء في مسالك ترابية ضيقة تتلوى بين القبور، إلى أن نصل مقامه، تميّزه قبة صغيرة. أحيانًا نجد زوارًا قد وصلوه قبلنا، فنبقى على مسافة قريبة ننتظر دورنا في صمت، وحين يغادرون المقام، نتقدم نحن.

الزيارة السنوية تلك، في ذلك الوقت من العام، كانت بغرض الطلب من سيدي البهلول أن يوفقني في اجتياز الامتحان المدرسي النهائي بنجاح. الطلب ليس مكتوبًا، بل يُقدَّم على شكل قطعة قماش صغيرة، مثل منديل، أحضرتها جدتي معها من البيت، بغرض ربطها في مكان ما، بين مئات من قطع قماش مختلفة الأحجام. تلك (الربطة) كانت بمثابة عقد مبرم بين جدتي وأمي من جهة وسيدي البهلول من جهة ثانية. يقضي العقد بأن يتدخل سيدي البهلول في اجتيازي الامتحانَ المدرسي بنجاح مقابل (وعدة) أي وليمة تعدها الاثنتان صدقة على روحه.

طوال تلك السنوات، احترم الطرفان العقد المبرم. كنتُ، ببركة سيدي البهلول، أجتاز الامتحانات النهائية، وينالُ سيدي البهلول (وعدته) المستحقة.

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

الكبّاسة

أحلام محمد الكميشي لفتت انتباهي تلال صغيرة أمام بعض المحلات في الطريق الساحلي، كانت سمادًا …