منصة الصباح
د. علي عاشور

طَرْحُ الأَحْمَالِ…مَسْؤُولِيَّة وَشَفَافِيَّة

باختصار

لم يعد المواطن الليبي يطلب المستحيل عندما يتحدث عن الكهرباء، بل أصبح أكثر واقعية من أي وقت سابق، لأنه يعرف جيداً أن الشبكة لا تتحمل، وأن كمية الاستهلاك أكبر من الإنتاج، وأن طرح الأحمال لم يعد خياراً بل ضرورة فرضها واقع فني معقد، ومع ذلك فهو لا يعترض على هذا المبدأ بقدر ما يعترض على الطريقة التي يدار بها، والتي تبدو في كثير من الأحيان غير واضحة، وغير عادلة أيضاً، كما تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم.

المواطن اليوم يتفهم أن الكهرباء قد تنقطع، ويتقبل فكرة توزيع الأحمال بين بين المدن والمناطق والأحياء، لكنه في المقابل يريد أن يشعر بأن هذا التوزيع يتم بشكل عادل، لا أن تكون هناك مناطق تتحمل عبئاً أكبر من غيرها، ولا أن تعيش أحياء داخل المدينة الواحدة تفاوتاً كبيراً في ساعات الانقطاع، لأن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره دائماً بعوامل فنية، بل يفتح الباب أمام المواطن لتساؤلات مشروعة حول غياب العدالة في التوزيع، وهو أمر يزعج الناس أكثر من الانقطاع نفسه.

وإذا كانت العدالة في توزيع الكهرباء مطلباً أساسياً، فإن الشفافية في الإعلان عن مواعيد الانقطاع لا تقل أهمية عنها، لأن المواطن لا يطلب أكثر من أن يعرف متى ستنقطع الكهرباء ومتى ستعود، حتى يتمكن من ترتيب يومه وأعماله وحياته اليومية، وهذا حق بسيط لا يحتاج إلى إمكانيات كبيرة، بل يحتاج إلى قرار واضح والتزام جدي.

وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة وسريعة للوصول إلى الناس، فإن نشر جدول يومي يوضح مواعيد طرح الأحمال، مع تحديد المدن المناطق والأحياء والفترات الزمنية بدقة، ليس أمراً صعباً أو معقداً، بل هو إجراء بسيط يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حياة المواطنين، لأنه يمنحهم شعوراً بالوضوح ويخفف من حالة التوتر والانتظار، ويجعلهم شركاء في التعامل مع الأزمة بدل أن يكونوا ضحاياها.

المشكلة الحقيقية ليست فقط في ضعف الشبكة أو في قلة الإمكانيات، بل في غياب التواصل الواضح مع الناس، لأن غياب المعلومة يجعل المواطن يشعر بأنه متروك في حالة من الغموض، وهو ما يزيد (الطين بلة) فتزداد حالة الغضب وعدم الثقة، بينما وجود جدول واضح مع احترامه والالتزام به يمكن أن يعيد جزءاً كبيراً من هذه الثقة حتى في ظل استمرار الأزمة.

باختصار، المواطن الليبي لا يطلب كهرباء دائمة بقدر ما يطلب معاملة واضحة وعادلة، لأنه يعلم حجم التحديات، ويقدر الظروف… لكنه ينتظر في المقابل أن تكون الشركة صادقة معه، وأن تحترم حقه في المعرفة، لأن إدارة الأزمة بعدل وشفافية قد لا تنهي المشكلة، لكنها بالتأكيد تجعلها أقل قسوة، وتجعل المواطن مشارك في إدارتها.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

“تْرُومَه يا بوفاندي”

جمعة بوكليب زايد…ناقص العنوانُ أعلاه مثلٌ شعبيٌ قديمٌ كانت أمي رحمها الله تردده كثيرًا، خاصةً …