الصباح /خاص
أثارت الأزمة الأخيرة التي شهدها الوسط المسرحي الليبي، وما صاحبها من جدل حول حدود الرقابة ودور الهيئة العامة للمسرح والفنون في متابعة النشاط المسرحي، موجة واسعة من النقاش بين الفنانين والمثقفين. وبين من يرى في الرقابة حماية للقيم المجتمعية، ومن يعتبرها قيداً على حرية الإبداع، تتجدد الأسئلة حول مستقبل المسرح الليبي وقدرته على مواكبة التحولات الثقافية والفكرية.
في هذا الحوار، يتحدث الفنان سالم عيسى عن تأثير التشكيك في الأعمال الفنية على المناخ الثقافي، وانعكاسات الخطاب الرقابي المتشدد على الحركة المسرحية، وأزمة الثقة بين الفنان والمؤسسات الرسمية، كما يوجه رسالة إلى صناع القرار الثقافي بشأن مستقبل حرية الإبداع في ليبيا.
بين النقد والتخوين
■ هل تعتقدون أن التشكيك في الأعمال الفنية أو في القائمين عليها يؤثر في المناخ الثقافي العام؟ وكيف؟
نعم التشكيك في الأعمال الفنية والقائمين عليها يؤثر بعمق في المناخ الثقافي العام، ويكون هذا التأثير سلبياً إذا تحول إلى تخوين أو إقصاء فكري، بينما يكون إيجابياً وبنّاءً إذا اتخذ شكل النقد الموضوعي الذي يحفز الحوار.
محاكمات النوايا تقتل الإبداع
فالتشكيك المستمر ومحاكمات النوايا تدفع الفنانين لتقديم أعمال سطحية وآمنة تجنباً للهجوم، مما يقتل روح الإبداع، وتحويل النقاش الفني من تقييم جمالي أو فكري إلى صراع أيديولوجي أو شخصي.
النقد بوابة التطور
إن النقد الموضوعي هو المحرك الأساسي لتطور الفنون والارتقاء بأدواتها، لأن التشكيك في الأفكار السائدة من خلال الفن يفتح عقول الجمهور ويدفعهم للمساءلة والتفكير النقدي.
رواد الفكر ينظرون أحياناً إلى النقد بصفته الرابط الأساسي الذي يضبط إيقاع علاقة الفن بالمجتمع، لتكون الخلاصة الفاصلة بين التأثير “الضار” و”المفيد” هي أدوات الطرح، فالأول يهدف إلى الإلغاء والوصاية، والثاني يسعى إلى الفهم والتطور.
■ ما انعكاس الخطاب الرقابي المتشدد على الحركة المسرحية والفنية في ليبيا؟
اتساع الرقابة الذاتية
الخطاب الرقابي المتشدد يفرض قيوداً مشددة على الحركة الفنية والمسرحية في ليبيا، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الإبداعي، وتوسع ظاهرة الرقابة الذاتية نتيجة الخوف من الملاحقة الأمنية، أو التوجيهات الرسمية الصادرة من جهات حكومية مثل الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون ووزارات الأوقاف والأجهزة الأمنية.
ملاحقات واستدعاءات
الساحة الفنية الليبية تشهد استدعاءات متكررة لصناع المحتوى والفنانين، بالإضافة إلى ملاحقة الأعمال التي تُصنف على أنها خادشة للحياء أو مخالفة للمقاييس المجتمعية والدينية.
انكماش المسرح وتراجع الجرأة
أدت هذه الإجراءات إلى حالة من الحذر الشديد بين كتاب النصوص والمخرجين، مما تسبب هذا التدخل الرقابي في إبعاد المسرح عن مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة، وأدى إلى خلق حالة من الانكماش والتراجع في نوعية الأعمال الفنية التي تقدم، لتقتصر غالباً على الأعمال السطحية أو الدعائية.
أزمة مركبة
■ هل تواجه المؤسسات الثقافية الليبية اليوم أزمة إدارة ثقافية أم أزمة ثقة بين الفنان والجهات الرسمية؟
المشهد الثقافي الليبي يعاني من أزمة تجمع بين الاختلال الإداري وفقدان الثقة بين المبدعين والجهات الرسمية.
تهميش الفنان وضعف الدعم
الفنانون والمسرحيون الليبيون يعانون من التهميش المادي، وضعف الأجور، وغياب الرعاية الجادة للفرق الفنية، حيث يضطر العديد منهم لتحمل تكاليف سفرهم للمشاركات الخارجية على حسابهم الشخصي.
غياب السياسات والنقابات
إن قرارات بعض القيود الرقابية أدت إلى تقييد العمل الفني، والمؤسسات الثقافية الليبية تفتقر لسياسات واضحة، ويعيق الروتين الحكومي تدفق الدعم وتنفيذ المشاريع الثقافية، وكذلك فإن غياب نقابات فنية مهنية قوية ومستقلة جعل حقوق الفنانين عرضة للاعتداء والسرقة والضياع..
القطيعة بين المبدع والمؤسسة
أزمة الإدارة وأزمة الثقة وضعف كفاءة المؤسسات وسوء إدارة الموارد أدت مباشرة إلى تهميش المبدع الليبي وعدم حصوله على حقوقه، مما خلق حالة من القطيعة والتشكيك في توجهات الجهات الرسمية.
تشويه الرؤية الفنية .
■ إلى أي مدى يمكن أن تؤدي الرقابة المسبقة إلى الحد من التجريب الفني وتطوير المسرح الليبي؟
عائق أمام التجريب
الرقابة المسبقة تلعب دوراً كبيراً في تقييد حرية التعبير، حيث تشكل عائقاً رئيسياً أمام التجريب الفني وتطور المسرح، وتبرز آثارها السلبية في عدة جوانب رئيسية.
الفرق المسرحية تخشى المغامرة بتقديم نصوص أو أساليب إخراجية غير تقليدية خوفاً من الرفض، مما يؤدي إلى تقديم أعمال نمطية، ويضطر الكتاب والمخرجون إلى فرض رقابة على أنفسهم مسبقاً وتعديل نصوصهم لتتماشى مع الخطوط الحمراء، والذي ينتج عنه تشويه الرؤية الفنية الأصلية وتفريغ العمل من مضامينه العميقة.
هجرة المبدعين
التضييق المستمر يؤدي إلى هجرة المبدعين والكتاب نحو منصات خارجية أو دول أخرى تتيح مساحة أكبر من الحرية الإبداعية.
الألوية للدعم .
■ ما الذي يحتاجه المسرح الليبي اليوم أكثر: الرقابة أم الدعم والتمكين وفتح مساحات الحوار؟
المسرح يحتاج اليوم إلى الدعم أكثر من الرقابة، لأنه يعاني أساساً من مشكلات بنيوية كغياب التمويل، وضعف الإمكانيات، وتكلفة الإنتاج المرتفعة، وهجرة الكفاءات.
الاستثمار في البنية التحتية
الدعم مطلب ضروري لخلق بيئة إبداعية مزدهرة، بينما الرقابة تحد من حرية الإبداع وتعوق تطور الأفكار.
تخصيص ميزانيات ودعم المسرح يحمي الكوادر الفنية من الهجرة ويسهم في صيانة دور العرض وتجهيز الخشبات بأحدث التقنيات.
إن الدعم المالي للفرق الفنية يتيح تقديم تذاكر للجمهور بأسعار معقولة لجذب شرائح أوسع من المجتمع.
مقص الرقيب يقتل الإلهام
أما التدخل الرقابي المستمر فيقتل الإلهام ويجبر الكتاب والمخرجين على التوجه للرمزية المفرطة هرباً من مقص الرقيب، فالخوف من المنع يخلق أعمالاً فنية سطحية تفتقر للجرأة والعمق.
بدلاً من الرقابة التقليدية، يحتاج المسرح إلى آليات تنظيمية مرنة تحمي الذوق العام دون مصادرة حق الفنان في التعبير.
الحرية والمسؤولية.
■ في ظل الجدل الحالي، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى صناع القرار الثقافي بشأن مستقبل حرية الإبداع؟
حماية الحق في التعبير
الرسالة التي أوجهها لصناع القرار الثقافي بشأن مستقبل حرية الإبداع، هي في الحقيقة نداء عاجل لحماية الحق الأساسي في التعبير الفني، وتأسيس بيئة تشريعية مرنة توازن بين حرية الفنان ودعم التنوع.
تشريعات عصرية واستثمار ثقافي
مع الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي وصياغة قوانين عصرية توفر الحماية القانونية الشاملة للفنانين والمبدعين، وتضمن استقلالية الأعمال الإبداعية دون الوقوع في فخ الرقابة المسبقة أو الترهيب.
التأكيد على أن الحرية الفنية حق أصيل، ويجب أن يقترن بوعي مجتمعي ومسؤولية قانونية وأخلاقية تمنع خطابات الكراهية أو التحريض على التمييز.
بناء مستقبل ثقافي مستدام
تخصيص ميزانيات مستدامة وتوفير منح لدعم المبادرات الثقافية، مع إتاحة البنية التحتية والموارد اللازمة لتطوير الصناعات الثقافية والابتكارية.
دمج الثقافة والتربية الإبداعية في المناهج التعليمية كما كانت في السابق، لتنشئة جيل قادر على التفكير النقدي وتقبل التنوع والاختلاف الثقافي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية