الصباح/ تقرير
عُرفت المملكة المتحدة بالاستقرار السياسي النسبي مقارنة بكثير من الديمقراطيات الغربية، غير أن السنوات العشر الأخيرة شهدت ظاهرة لافتة تمثلت في التغيّر السريع لرؤساء الحكومات. فمنذ عام “2016” تعاقب على رئاسة الوزراء ستة قادة مختلفين، وهو رقم مرتفع قياساً بالتقاليد السياسية البريطانية، التي اعتادت بقاء رؤساء الوزراء في مناصبهم لسنوات طويلة..
من كاميرون إلى ستارمر.

بدأت هذه المرحلة المضطربة مع استقالة “ديفيد كامرون” في “يوليو 2016″، عقب خسارة رهانه السياسي على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فقد كان “كاميرون”، الذي تولى رئاسة الحكومة بين عامي “2010 و2016″، يعتقد أن البريطانيين سيصوتون للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، إلا أن نتيجة الاستفتاء جاءت معاكسة لتوقعاته، ما دفعه إلى التنحي..
وجاءت بعده “تيررزا ماي” التي قادت الحكومة بين عامي “2016 و2019″، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في إقناع البرلمان بخططها المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفشلت عدة مرات في تمرير اتفاق الخروج، الأمر الذي أدى في النهاية إلى استقالتها..

وبوصول “بوريس جونسون” إلى السلطة عام “2019”، مستفيداً من شعبيته داخل حزب المحافظين ومن تعهده بإنجاز “بريكست”. تمكن بالفعل من إخراج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي، إلا أن حكومته واجهت لاحقاً سلسلة من الفضائح السياسية، أبرزها قضية الحفلات التي أقيمت داخل مقار حكومية خلال فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا، ما أدى إلى تراجع الدعم له وإجباره على الاستقالة عام “2022”..
أقصر مدة حكم
وسجلت “ليز تروس” رقماً تاريخياً كأقصر مدة لرئيسة وزراء في تاريخ البلاد الحديث، إذ لم تمكث في منصبها سوى “49” يوماً. وقد أدى برنامجها الاقتصادي، الذي تضمن تخفيضات ضريبية واسعة غير ممولة، إلى اضطرابات حادة في الأسواق المالية البريطانية، ما تسبب في فقدان الثقة بها سريعاً..

ثم تولى “ريشي سوناك” رئاسة الحكومة في أكتوبر “2022”، محاولاً إعادة الاستقرار إلى الاقتصاد وإلى حزب المحافظين، إلا أن حكومته واجهت تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وانتهى الأمر بخسارة المحافظين الانتخابات العامة في يوليو “2024”..
وعقب ذلك أصبح “كير ستارمز” رئيساً للوزراء بعد فوز حزب العمال بأغلبية برلمانية مريحة، منهياً أربعة عشر عاماً متواصلة من حكم المحافظين..

تداعيات الخروج
يعود السبب الرئيس في هذا التبدل السريع إلى تداعيات استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام “2016”، والذي أحدث انقسامات عميقة داخل الأحزاب السياسية البريطانية، وخصوصاً داخل حزب المحافظين الحاكم آنذاك..
فقد تحول ملف “بريكست” إلى مصدر دائم للخلافات والصراعات الداخلية، وأصبح بقاء أي زعيم مرتبطاً بقدرته على إدارة هذه الانقسامات..
كما ساهمت الأزمات المتلاحقة، من جائحة “كوفيد-19″، إلى الحرب في أوكرانيا وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الطاقة، في زيادة الضغوط على الحكومات المتعاقبة. ومع كل أزمة كانت شعبية القادة تتراجع بصورة أسرع من السابق..
خصوصية النظام البريطاني
من الأسباب المهمة أيضاً أن النظام السياسي البريطاني لا يشترط إجراء انتخابات عامة كلما تغيّر رئيس الوزراء. فإذا فقد زعيم الحزب الحاكم ثقة حزبه، يمكن استبداله بزعيم جديد يتولى رئاسة الحكومة مباشرة طالما بقي الحزب محتفظاً بأغلبيته البرلمانية..
هذه الآلية جعلت من الممكن استبدال ثلاثة رؤساء وزراء محافظين خلال عام واحد تقريباً، من دون العودة إلى صناديق الاقتراع، وهو ما حدث بين عامي “2022 و2024”..
مقارنة بالماضي
إذا نظرنا إلى العقود السابقة، يتضح حجم التغير. فقد بقيت “مارغريت تاتشر” في السلطة أحد عشر عاماً، بينما حكم “توني بلير” نحو عشر سنوات، واستمر “ديفيد كامرون” ست سنوات..
أما منذ عام “2016” فقد أصبحت فترة البقاء في المنصب أقصر بكثير، ما يعكس مرحلة استثنائية من الاضطراب السياسي..
إن التبدل المتكرر لرؤساء الوزراء في بريطانيا لا يعكس خللاً في النظام السياسي، بقدر ما يعكس حجم التحديات التي واجهتها البلاد خلال العقد الأخير. فاستفتاء “بريكست”، والانقسامات الحزبية، والفضائح السياسية، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، كلها عوامل تضافرت لتجعل رئاسة الحكومة البريطانية منصباً أقل استقراراً مما كان عليه في العقود السابقة، في واحدة من أكثر الفترات السياسية تقلباً في تاريخ المملكة المتحدة الحديث..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية