تواجه البيئة البرية في ليبيا خطرا صامتا يهدد توازنها الطبيعي، حيث تحولت الأراضي الليبية في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لنشاط شبكات غير قانونية تستهدف جمع وتهريب السلاحف البرية المحلية، والمعروفة شعبياً باسم الفكرونة، إلى دول الجوار ومنها إلى الأسواق العالمية.و يسلط هذا التقرير المفصل الضوء على الأبعاد العلمية، القانونية، والأمنية لهذه الأزمة البيئية المتصاعدة.
ما هي السلحفاة الليبية؟ الهوية والتصنيف العلمي
تضم البيئة الليبية نوعين رئيسيين من السلاحف البرية التي تقع ضحية للصيد والجمع الجائر:
السلحفاة المصرية (Testudo kleinmanni) تعرف علمياً بهذا الاسم، وهي واحدة من أصغر السلاحف البرية في العالم، حيث لا يتعدى طول صدفتها 10 إلى 15 سنتيمتراً، و تمتاز بلونها العاجي أو الذهبي الباهت الذي يساعدها على التمويه في البيئات الصحراوية وشبه الجافة، وتقطن مناطق محددة في شرق ليبيا مثل بعض السبخات الساحلية ومناطق محاذية لإقليم الجبل الأخضر.
السلحفاة اليونانية أو المهموزة (Testudo graeca) وتحديداً تحت النوع المستوطن في شمال أفريقيا والذي يُعرف علمياً بـ (Testudo graeca cyrenaica)، و هي أكبر حجماً من السلحفاة المصرية، وتنتشر بوفرة في بيئات الجبل الأخضر ومناطق ممتدة من غرب ليبيا.
دوافع التهريب: لماذا تهرب السلاحف الليبية؟
تتحرك شبكات التهريب مدفوعة بأرباح مالية ضخمة تدرها تجارة الحياة البرية غير المشروعة، وتتلخص أسباب تهريبها إلى دول أخرى في عدة عوامل
يأتي على رأس هذه الأسباب الطلب العالمي الهائل، خاصة في الأسواق الأوروبية وبعض دول الخليج وآسيا، على اقتناء السلاحف البرية النادرة كحيوانات أليفة فاخرة في المنازل، حيث يعزز صغر حجم السلحفاة المصرية ونظافتها وشكلها الجذاب الرغبة في شرائها بأسعار مرتفعة.
ويساعد على هذا النشاط سهولة نقلها وإخفائها؛ فنظرا لكونها كائنات بطيئة الحركة وتتحمل الجوع والعطش لفترات طويلة، يعمد المهربون إلى تكديسها بكميات ضخمة في صناديق ضيقة، أو حقائب سفر، أو تجاويف شاحنات البضائع عبر الحدود البرية دون أن تصدر صوتا، مما يسهل تخطي نقاط التفتيش. بالإضافة إلى ذلك، تساق بعض الشحنات إلى أسواق دول الجوار لاستخدام أجزاء منها في وصفات الطب التقليدي بناء على معتقدات شعبية خاطئة تزعم فوائدها العلاجية.
هل هي مهددة بالانقراض؟
الإجابة العلمية القاطعة هي نعم، وبشدة. حيث يصنف الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) السلحفاة المصرية ضمن القائمة الحمراء الدولية كنوع “مهدد بالانقراض بشكل حرج” (Critically Endangered)، وهي الخطوة الأخيرة في التصنيف العلمي قبل الانقراض التام من البرية.
أما السلحفاة اليونانية، فرغم انتشارها النسبي الأوسع، إلا أنها تواجه ضغوطاً متزايدة تضعها في دائرة الخطر. وما يفاقم هذه الأزمة هو أن السلاحف كائنات تنمو ببطء شديد وتستغرق سنوات طويلة لتصل إلى مرحلة النضج الجنسي والتكاثر، وبالتالي فإن خسارة مئات البالغين منها في عمليات الصيد الجائر تعني تدمير أجيال كاملة من الصعب تعويضها طبيعيا في موائلها.
القانون الليبي وحماية السلحفاة
يمتلك التشريع البيئي الليبي نصوصا صريحة لحماية التنوع الحيوي، وتبرز الحماية القانونية في شقين أساسيين:
التشريع المحلي حيث يحظر القانون رقم (15) لسنة 1989 بشأن حماية الحيوانات والأشجار، وتعديلاته بموجب القانون رقم (22) لسنة 2002، صيد أو حيازة أو الاتجار بالحيوانات البرية المهددة دون تصاريح رسمية مشددة، ويعاقب المخالفين بمصادرة الكائنات الحية وفرض غرامات ملوحة بعقوبات قانونية حيال الواقعة وفق اختصاص النيابة العامة.
أما على جانب الاتفاقيات الدولية فليبيا دولة موقعة على اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES). وتندرج السلحفاة المصرية ضمن الملحق الأول للاتفاقية، وهو أعلى درجات الحظر العالمي، حيث يُمنع منعا باتا الاتجار الدولي بها لأغراض تجارية، بينما تقع السلحفاة اليونانية في الملحق الثاني الذي يتطلب قيوداً صارمة وتصاريح تصدير معقدة.
الجهود الميدانية والمكافحة
تتحرك عدة جهات في ليبيا لمحاصرة هذا النزيف البيئي عبر تنسيق ميداني مشترك، حيث تضطلع الأجهزة الأمنية والشرطة الزراعية بدور محوري في إحباط عمليات تهريب كبرى. ويبرز هنا دور فرع الشرطة الزراعية في “بئر الأشهب” بالتعاون مع الأجهزة الأمنية في منفذ “امساعد” الحدودي، والذين نجحوا في ضبط شحنات سلاحف ضخمة كانت معدة للتهريب نحو مصر عبر الحدود البرية.
وعلى الصعيد الحكومي والتنفيذي، تشرف وزارة البيئة على البرامج الخاصة بمتابعة الموائل الطبيعية من خلال “البرنامج الليبي لحماية السلاحف”. وتتكامل هذه الجهود مع منظمات المجتمع المدني، مثل منظمة البراري لصون الطبيعة، عبر إطلاق حملات توعية عامة، ورصد الانتهاكات البيئية على منصات التواصل، والتحذير المستمر من تنامي شبكات الاتجار غير المشروع.
أما عن مصير السلاحف المصادرة، فيقوم قسم الرعاية والتغذية بحديقة الحيوان بطرابلس بتفعيل برنامج خاص لاستلام السلاحف من الجهات الضابطة، حيث تدخل في حجر بيطري لتقديم الرعاية الطبية والدعم الغذائي اللازم لها، تمهيداً لإعادة إطلاقها في محميات وموائل طبيعية آمنة تضمن استمرار دورتها الحياتية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية