يمر ربع قرن على ذلك الغياب، خمسة وعشرون عاما والأرصفة التي مشى عليها خليفة الفاخري (1942 – 2001) في بنغازي تحفظ إيقاع خطوته الوئيدة، خمسة وعشرون عاما منذ أن ترجل “صياد الكلمات” عن صهوة الخيال الجامح، تاركا خلفه مدينته بنغازي التي ولد فيها وتلقى علومه، وشرب من ملوحة بحرها وعذوبة طينها تتأمل فراغ طاولته، وتستعيد تجاعيد وجهه التي كانت تقرأ الملامح المنسية للبشر والأشياء.
لم يكن الفاخري مجرد كاتب يمر عابرا باللغة، بل كان “سادناً” في محراب العزلة، يقف على التخوم الفاصلة بين الواقع والأسطورة، يرقب انسياب الحكايات في أزقة الذاكرة، في مؤلفاته الثلاثة التي تركت أثرا لا يمحى في وجدان الأدب الليبي والعربي” موسم الحكايات”، “بيع الريح للمراكب”، و”غربة النهر”، تجلت قدرته الفريدة على تحويل الهامشي واليومي إلى طقس شعري باذخ الصدق، لقد كان يبيع الريح للمراكب التي أضنتها المرافئ، ويسكب غربة النهر في كؤوس القراء الذين يبحثون عن مأوى روحي وسط جفاف العالم.

في أدب الفاخري، لا تجد فذلكة لغوية باردة، بل دفقة إنسانية حية، كان يدرك أن الكتابة ليست نزهة، بل هي احتراق ذاتي مستمر، ولعل أبلغ ما يلخص فلسفته النثرية وجوديا، هو رده الشهير على رسالة تلمست روحه من صديقه الروائي الراحل الصادق النيهوم، حيث كتب الفاخري واصفا لعنة الحبر:
“الجري خلف قطعان الكلمات شاق وطويل ودائب.. إنه عذاب متصل يحفر قلبك طوال الوقت، ويدعك تتعامل مع النار مثل أحد الحواة من دون أن تلتقط أنفاسك أو تنعم بلحظة رضاء مدى العمر.”
هذه “النار” التي تلاعب بها الفاخري دون أن يلتقط أنفاسه، هي ذاتها النور الذي أضاء نصوصه، فجاءت كلماته مقطوعة من لحم الحقيقة، معجونة بمرارة الركض خلف المعنى العصي، في عالم لا يمنح الكاتب سوى “لحظة الرضاء” الممتنعة.
لم تكن تجربة الفاخري الأدبية معزولة عن رفاق الدرب، وفي طليعتهم المفكر والفيلسوف الصادق النيهوم.
وفي رسالة نادرة تفيض شجنا إنسانيا، نشرت عام 2019 عبر موقع “ملتقى أهالي بنغازي”، أرسلها النيهوم من صقيع هلسنكي بتاريخ 27 يناير 1967 إلى رفيق عمره خليفة الفاخري، تتكشف ملامح تلك “الغربة المشتركة” التي تقاسمها الكاتبان، حيث يكتب النيهوم بنبرة جارحة:
“مر يوم.. فيوم.. فشهر.. فعام وطالت الطريق واصطف أطفال العالم ورائي.. ورجموني بالحجارة مثل كلب أجرب.. ولكنني لم أقل ذلك لأحد، إنني أطويه في صدري وأذرع به أرصفة المدن كأن شيئاً لم يحدث.. هلسنكي تعيش دائماً تحت الصفر.. وتموت الطيور فوق أسلاك الكهرباء.. وهلسنكي مدينة ودودة.. ولكن قلبها قطعة من ثلج.. وعينيها عاهرتان.. ومدريد عاهرة أخرى.. وكذلك بنغازي.. وأنا مجرد غريب، غريب محترف..”
في هذه الرسالة، يتجلى التماهي الروحي بين نقيضين؛ النيهوم الذي يذرع منافي العالم حاملاً سوطه النقدي وكبرياءه الجريح، والفاخري الذي قبع في بنغازي يلمم شتات الذات. يخاطبه النيهوم بمودة خشنة تشي بعمق الروابط: “أفتقدك هنا.. إنني أفتقدك هكذا وأتمنى أن أجعلك تكتب إليّ وتتخلى عن حبك للطعام”.
لم تكن الرسالة مجرد بوح ذاتي، بل كانت نبوءة مبكرة سطرها النيهوم لصديقه الفاخري (الذي كان يناديه “جنقي”)، محذرا إياه من غدر الزمن:
“فقد سرقك الوقت كما سرقني وغداً تستيقظ في الصباح وتكتشف أن عمرك صار أربعين عاماً.. وتكتشف أن أحداً ما قد خدعك بطريقة قاتلة وأن كل أحلامك كانت مجرد أحلام.. فهل تصدقني..؟ لا، بالتأكيد لا.. فليس ثمة من يصدق الآخر.. دون أن يواجه لحظة قاتلة من المرارة.. وهذه مشكلتنا يا صديقي الحبيب”.
خمسة وعشرون عاماً على رحيل خليفة الفاخري، وما زال أدبه عصياً على النسيان، كان النيهوم يحلم، كما ورد في رسالته، أن تواصل صحيفة رشاد الهوني الصدور “حتى يكتشفها كاتب مثل خليفة”،واليوم، نكتشف نحن أن خليفة الفاخري لم يكن بحاجة إلى صحيفة تكتشفه، بل كانت الساحة الثقافية هي التي تحتاج إلى عينيه لترى تفاصيل الجمال المنسي في ثنايا الرماد.
رحل خليفة الفاخري تاركاً جرحاً مفتوحاً في جدار السرد الليبي، لكنه ترك أيضاً مواسم لا تنتهي من الحكايات، ومراكب تمخر عباب الحبر مستعينة بـ”الريح” التي باعها لها يوماً ما، في صفقة خاسرة مع الحياة، ورابحة جداً مع الخلود الأدبي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية